رواية كاملة
الساعة 2 فجرًا سقط رجل غارق في الدم أمام مطعمها لكن عندما فتحت معطفه ورأت الطفلين المربوطين على صدره اكتشفت سرًا مدفونًا منذ 24 عامً
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل، ولما رنا عبد الحميد نزلت ستارة المطعم الصغير بتاعها في شبرا، كانت المطر نازلة على القاهرة كأن حد فوق بيفضي جراكن مية على المدينة كلها.
يافطة مغلق كانت لسه بتتمايل مع الهوا لما حاجة خبطت الباب الخلفي.
ماكانش خبط عادي.
كان جسم إنسان.
رنا اتجمدت مكانها، ماسكة فوطة مبلولة بإيد، والإيد التانية على صدرها، حاسة إن قلبها هيطلع من مكانه.
وفجأة
خبطة تانية هزت الباب الحديد.
مين هناك؟
محدش رد.
بس كان فيه صوت نفس متقطع وتقيل، كأنه واحد بيزحف من آخر الدنيا.
رنا عندها 24 سنة، ساكنة في أوضة صغيرة فوق المطعم، وبقالها 3 سنين شغالة ليل ونهار بعد ما سابت كلية التمريض علشان تقعد جنب أمها المريضة.
أمها ماتت.
لكن الديون فضلت.
والمطعم اللي اسمه مطعم الحاجة ليلى كان آخر حاجة حاسة إنها لسه تربطها ببيتها.
المفروض تتصل بالنجدة.
لكن الجزء اللي جواها ولسه فاكر إنها كانت طالبة تمريض، خلاها تتحرك ناحية الباب.
مسكت سكينة كبيرة من المطبخ وفتحت الباب سنة صغيرة.
وفجأة
الراجل وقع لجوا.
كان طويل، عريض الكتفين، هدومه غالية بشكل واضح رغم إنها كلها مغموسة دم.
وفي جنبه إصابة رصاص.
وشه متخربش كأنه اترمى على الأسفلت واتسحب.
بص لها بعينين تقال وقال بصوت واطي
متتصليش بالشرطة.
رنا بلعت ريقها.
إنت مضروب بالنار.
متتصليش.
طب إسعاف؟
قفل عينه من الألم.
لا.
كانت فاكرة إنه فقد عقله.
لكن لما حاول يتحرك واتفتح الجاكيت شوية
شافت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقها.
ماكانش لابس واقي رصاص.
كان شايل طفلين صغيرين مربوطين على صدره.
ولد وبنت.
عندهم حوالي ست شهور.
متلففين في بطانية رمادي.
ساكتين بشكل يخوف.
الراجل لاحظ نظرتها.
ولأول مرة وشه القاسي اتغير.
بص للطفلين وبعدين ليها وهمس
خبيهم أرجوكي.
في نفس اللحظة نور عربية ضرب آخر الشارع.
وصوت كاوتش وقف قدام الباب.
رنا ما فكرتش.
قوم بسرعة.
سندته من كتفه وجرجرته لحد المخزن اللي ورا المطبخ بين شكاير الرز والزيت وكراتين البضاعة.
وقع على الأرض من التعب.
قفلت الباب نص قفلة وقالت
ماتغمضش عينك.
ورجعت جري.
جابت كلور وصابون وبدأت تمسح الدم من الأرض بجنون.
لأن حياتها فجأة بقت متعلقة بكل نقطة دم تختفي.
بعد ثواني
سمعت خطوات.
رجالة.
أصواتهم قريبة.
دوروا كويس ماقدرش يبعد.
مقبض الباب اتحرك بعنف.
رنا استخبت ورا الكاونتر وحطت إيدها على بقها.
الثواني عدت كأنها ساعات.
وبعدين
الخطوات بعدت.
والعربية مشت.
ساعتها بس اكتشفت إنها كانت بترتعش.
رجعت للمخزن ومعاها شنطة الإسعافات.
لقته قاعد على الأرض.
والطفلين فوق رجليه.
حاضنهم بذراعاته رغم إنه بينزف.
الولد طلع صوت خافت.
فالراجل عدل البطانية عليه بحنان غريب.
حنان مايركبش على شكل واحد زي ده.
ركعت رنا جنبه.
وريني الإصابة.
بصلها مباشرة.
عيونه سودا ومتعبة.
وقال
الأول لازم تعرفي أنا مين.
قول بسرعة.
أخد نفس بالعافية.
وقال
اسمي أحمد الشاذلي.
رنا حست إن الأرض بتتهز تحتها.
الاسم ده ماكانش اسم شخص عادي.
كان الاسم اللي بيتقال في الأخبار كل شوية.
اسم مرتبط بصفقات مشبوهة واختفاء ناس وحكايات محدش بيجرؤ يحكيها بصوت عالي.
وفي اللحظة دي
ومع صوت موتور عربية بيقرب من جديد برا المطعم
رنا فهمت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
الجزء الثاني
رنا كانت ماسكة الدركسيون بإيديها الاتنين، لكن الحقيقة إن أعصابها هي اللي كانت ماسكاها بالعافية.
العربية القديمة كانت بتجري على الطريق الزراعي وسط الضلمة، وصوت الموتور أعلى من صوت أنفاسها.
أما أحمد الشاذلي فكان قاعد جنبها، وشه أبيض زي الورق.
والطفلين، عمر وملك، بيعيطوا ورا.
العربية السودا كانت لسه وراهم.
بتقرب.
كل دقيقة أكتر.
كل ثانية أخطر.
مش هنعرف نهرب كتير بالشكل ده.
قالها أحمد وهو ضاغط على جنبه النازف.
رنا بصتله بعصبية.
طب اقترح حاجة غير الموت.
ابتسم ابتسامة متعبة.
عندك حق.
فجأة تليفونه اللي كان مقفول طول الوقت نور.
رسالة واحدة وصلت.
رقم مجهول.
أحمد فتحها.
ولأول مرة الرعب الحقيقي ظهر في عينيه.
إيه؟
سألته رنا.
مدلهاش التليفون.
في الصورة كان فيه قبر.
وعليه اسم واحد بس.
ليلى الشاذلي
وتحت الصورة رسالة قصيرة
الدور على بنتها.
رنا حست إن قلبها وقف.
أمي؟
رفع أحمد عينه ليها.
هما عرفوا إنك بنتها.
إزاي؟
لأن في حد وسطنا بيسرب كل حاجة.
سكت لحظة.
وبعدين همس
ويمكن يكون أقرب واحد ليا.
في اللحظة دي العربية السودا زودت سرعتها.
وخبطت العربية من ورا.
صرخة خرجت من رنا.
والعربية اتمايلت بعنف.
ملك بدأت تعيط.
وعمر كمان.
أحمد لف بسرعة وبص من الإزاز الخلفي.
وفجأة وشه اتغير.
يا نهار أسود.
إيه؟
دي مش عربية رجالة أخويا.
أمال مين؟
صوته نزل بشكل مرعب.
دي عربية الأمن الخاص بتاع أبويا.
رنا بصتله مصدومة.
أبوك؟
المفروض مات من عشر سنين.
الصمت نزل بينهم زي حجر.
إيه يعني المفروض؟
أحمد بلع ريقه.
لأن الجثة ما اتعرفش عليها ساعتها.
رنا حست إن الدنيا بتلف.
يعني أبوه ممكن يكون عايش؟
يعني كل اللي بيحصل ده وراه راجل المفروض ميت؟
قبل ما حد ينطق
نور كشافات قوية ظهر قدامهم.
بوابة حديد ضخمة.
بيت قديم وسط أرض زراعية واسعة.
أحمد أشار بعصبية.
هناك.
ده بيت جدتك؟
أيوه.
رنا دخلت العربية بسرعة.
وقفلت البوابة وراهم.
لكن العربية السودا وقفت برا.
ما دخلتش.
وده كان أغرب حاجة.
كأن اللي جوا البيت أخطر من اللي بره.
نزلوا بالعافية.
أحمد كان شبه فاقد للوعي.
رنا سندته.
ودخلوا البيت.
أول ما فتحت الباب حسّت بريحة تراب وخشب قديم.
المكان مهجور من سنين.
لكن واضح إن حد كان بيزوره أحيانًا.
لأن فيه نور شغال.
وفيه أكل جديد.
وفيه آثار أقدام.
رنا اتجمدت.
إحنا مش لوحدنا هنا.
وفجأة
صوت جه من آخر الصالة.
أخيرًا وصلتوا.
رنا شهقت.
وأحمد رفع راسه بالعافية.
وكانت الصدمة أكبر من أي حاجة.
اللي واقف قدامهم كان راجل في أواخر الأربعينات.
نفس لون عيون رنا.
نفس ملامح أمها.
نفس الابتسامة.
الراجل بص لرنا.
ودموعه لمعت.
وقال
أخيرًا شوفتك يا أختي.
رنا رجعت خطوة لورا.
إيه؟
أحمد همس بصوت مخنوق
مستحيل
الراجل ابتسم بمرارة.
لا مش مستحيل.
أنا الطفل التاني.
أنا ابن ليلى الشاذلي.
أنا أخو رنا التوأم.
الصمت انفجر جوا المكان.
رنا كانت حاسة إن عقلها مش قادر يستوعب.
إنت؟
أيوه.
إنت اللي كانوا بيدوروا عليه؟
من يوم ما اتولدت.
أحمد رفع عينه ليه.
وإنت اللي باعت الرجالة؟
الراجل هز راسه.
لا.
أحمد اتجمد.
يعني إيه؟
الراجل بص ناحية الشباك.
ناحية الضلمة برا.
وقال
لأن اللي باعتهم واقف بره دلوقتي.
في اللحظة دي
نور عربيات كتير قوي ملأ الأرض كلها.
عشرات العربيات.
رجالة مسلحين.
وأبواب بتتفتح.
والبيت كله اتحاصر.
ثم نزل رجل عجوز من عربية سوداء فخمة.
شعره أبيض.
لكن وقفته مرعبة.
أحمد فقد لونه تمامًا.
لا
همس.
مستحيل.
الرجل العجوز رفع عينه ناحية البيت.
وبعدين ابتسم.
ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروق الكل.
وقال بصوت وصل لحد جوا
افتحوا الباب
أنا جيت أخد عيلتي.
وكان ده أول مرة تدرك فيها رنا إن الكابوس اللي بدأ عند باب المطعم
كان مجرد البداية.
الجزء الثالث
البيت كله كان ساكت.
ساكت بشكل يخوف.
برا، عشرات العربيات محاصرة المكان.
وجوا، رنا واقفة وهي حاضنة ملك وعمر، وعينيها بين الراجل اللي ظهر فجأة وقال إنه أخوها التوأم، وبين العجوز اللي واقف قدام البيت.
أحمد الشاذلي كان أول واحد كسر الصمت.
أبويا مات.
العجوز ضحك.
ضحكة باردة خلت رنا تقشعر.
وأنا زعلان إنك مصدق الحكاية دي لحد النهارده.
أخو رنا التوأم اتنهد.
أنا قلتله زمان إنه هيكتشف الحقيقة بنفسه.
أحمد بصله بغضب.
إنت كنت عارف؟
من سنين.
وساكت؟
لأن الكلام وقتها كان هيقتل ناس أكتر.
العجوز رفع عصايته الخشبية وضربها في الأرض.
خلصنا لمّ شمل العيلة؟
الكل بصله.
ابتسامته اختفت.
وحل مكانها وش تاني.
وش واحد عمره ما عرف الرحمة.
افتحوا الباب أو هدخل أخده بنفسي.
رنا أخدت خطوة لقدام.
لأول مرة.
إنت