رنّ عليّا تليفون حفيدتي الساعة ٢ الفجر من قسم الشرطة
الظابط شريف قال بتوتر: "الكاميرات ممكن تاخد وقت يا فندم".
رديت وأنا لسه حاضن ليلى: "وأنا عندي الوقت كله".
سامية اتحركت خطوة لقدام وقالت بعصبية: "إحنا مش محتاجين كل ده. البنت دي عصبية من ساعة وفاة أمها، وكل شوية بتفتعل مشاكل".
ليلى ارتعشت جنبي لكنها ما ردتش، وده لوحده كان غريب؛ لأن ليلى اللي أعرفها كانت دايمًا تدافع عن نفسها، أما دلوقتي فكانت مرعوبة. بصيت لها وسألت بهدوء: "قوليلي حصل إيه بالظبط".
قبل ما ترد، سامية قاطعتها: "أنا أقولك. رجعت البيت لقيتها بتكسر حاجات في المطبخ. لما حاولت أهديها هجمت عليا".
رفعت حاجبي: "بإيديها الاتنين؟"
سامية اتلخبطت: "آه".
بصيت لإيدين ليلى، كان فيهم آثار كدمات قديمة وحديثة، لكن مفيش أي خدوش ولا حتى أثر مقاومة. أما سامية... فكان عندها خدش واحد مثالي بشكل غريب على رقبتها، كأنه معمول بعناية.
في اللحظة دي دخل أمين شرطة بسرعة وهو شايل فلاشة، همس حاجة للظابط شريف. وفجأة وش الظابط اتغير، شريف بص لسامية وقال: "ممكن تقعدي لو سمحتي".
سامية توترت: "ليه؟"
"اقعدي بس".
بدأ قلبي يدق أسرع، واضح إنهم لقوا حاجة.
الحقيقة تظهر في التسجيل
بعد دقايق دخلنا أوضة صغيرة فيها شاشة كمبيوتر. التسجيل كان من كاميرا الجيران، الصورة كانت واضحة بشكل كافي. ظهر المطبخ، وظهرت ليلى واقفة عند الحوض، هادية، ساكتة. بعدها بثواني دخلت سامية وبدأت تتكلم بعصبية. الصوت ماكانش موجود لكن لغة الجسد كانت واضحة.
ليلى حاولت تمشي، وساعتها... سامية مسكتها من دراعها بعنف. الجميع سكت. محمود رفع رأسه للشاشة، وأول مرة شفت الصدمة في عينيه.
التسجيل كمل؛ ليلى حاولت تبعد فسامية زقتها بقوة، البنت خبطت في طرف الرخامة، وبعدها... سامية رفعت إيدها وضربتها مرة، واتنين، وتلاتة. في الأوضة كلها ماكانش في حد بيتنفس تقريبًا.
أما الجزء اللي كسر كل حاجة... فكان آخر عشر ثواني. بعد ما ليلى جريت ناحية السلم وهي بتعيط، وقفت سامية قدام المراية اللي في الممر، وبإيديها هي... شدت كم البلوزة ومزقته، ثم عملت الخدش بنفسها!
الصمت نزل على المكان. سامية بقت شاحبة، ومحمود فضل يبص للشاشة كأنه مش مستوعب، قال بصوت مخنوق: "مستحيل..."
رد الظابط: "الفيديو متسجل بالتوقيت والتاريخ".
سامية قامت واقفة فجأة: "دي مؤامرة!" لكن صوتها كان ضعيف لأن محدش صدقها، ولا حتى محمود. ليلى بدأت تعيط بصمت، وأول ما محمود بص لبنته وشاف الكدمات الحقيقية على وشها... انهار. قعد على الكرسي وحط إيده على عينيه وقال: "أنا عملت إيه..."
ليلى ما ردتش، وده كان أقسى عقاب.
بعد العاصفة.. بداية جديدة
بعد ساعة، النيابة أصدرت قرار باحتجاز سامية لحين استكمال التحقيق. وأخيرًا خرجنا من القسم، كانت الساعة قرب الفجر، الهواء بارد، والشوارع شبه فاضية. ليلى كانت ماشية جنبي وساكتة، وفجأة سألتني: "جدو... هو بابا بيحبني؟"
السؤال وجعني أكتر من أي حاجة حصلت الليلة دي. بصيت لمحمود اللي كان واقف بعيد وعينه مليانة دموع وقلت: "آه يا حبيبتي... بس ساعات الإنسان لما يخاف أو يضعف، بيغلط غلطة كبيرة".
محمود قرب ببطء وركع قدام بنته، أول مرة أشوف ابني بالشكل ده، قال وهو بيبكي: "سامحيني يا ليلى".
ليلى بصت له ثواني طويلة، ثواني كانوا أطول من سنين، وبعدين قالت: "أنا كنت محتاجة بابا يصدقني بس".
الكلمة دي كسرت محمود تمامًا، فضل يبكي وهو ماسك إيدها. وأخيرًا... بعد لحظات طويلة... ليلى . مش لأنها نسيت، ولا لأنها تجاوزت اللي حصل، لكن لأنها كانت لسه بنت صغيرة محتاجة أبوها.
مرت شهور بعد الليلة دي. سامية اتحاكمت بتهم الاعتداء على قاصر وتقديم بلاغ كاذب. أما محمود فبدأ يحضر جلسات دعم نفسي وأسرية عشان يصلح اللي اتكسر. الطريق كان طويل ومش سهل، لكن كل أسبوع كنت بشوفه وهو بيحاول يكسب ثقة بنته من جديد... مش بالكلام، بالأفعال.
وكانت ليلى ترجع خطوة للأمام كل مرة، لحد ما جه يوم وقفت فيه قدام صورة أمها المتوفية في أوضة المعيشة وبصت لمحمود وقالت: "ماما كانت هتزعل منك جدًا".
نزلت دمعة من عينه ورد بهدوء: "عارف"، ثم أضاف: "وعشان كده هفضل أصلح غلطتي طول عمري".
في اللحظة دي... عرفت إن الليلة اللي بدأت بمكالمة مرعبة من قسم الشرطة الساعة ٢:١٣ الفجر... مكنتش نهاية عيلة، كانت بداية إنقاذها.