رواية كاملة
الله يرحمها خديها. متسبيش ورقة واحدة. وأنا هسبقك على فيلا المعادي.. هقعد مع جدي وأمهد له الموضوع، وعلى بليل هعدي عليكي في شقة الزمالك أطمن إنك استقريتي.
زينب هزت رأسها وهي لسة مش قادرة تستوعب السرعة اللي حياتها اتقلبت بيها في أقل من ساعة. من بنت وحيدة مهددة بالطرد للشارع، لحفيدة عائلة الجارحي! ركبت العربية الفخمة مع محمود، والدموع في عنيها بس المرة دي كانت دموع راحة.. حست إن والدتها فايزة بتطمنها من حتة تانية.
مواجهة الكبير.. فيلا المعادي
تحركت عربية مهران بسرعة نحو المعادي. طول الطريق كان بيفكر في رد فعل جده الجارحي الكبير. الراجل اللي أسس الإمبراطورية دي كلها، واللي رغم قوته، انكسر جواه حتة يوم ما فايزة هربت واتجوزت منصور ضد رغبته.
وصل مهران الفيلا، دخل بهيبته المعتادة. الفيلا كانت هادية، ريحة الياسمين مغرقة المكان، والجداريات القديمة بتشهد على تاريخ العيلة. لقى جده قاعد في الجنينة، ساند إيده على عصايته الأبنوس، وناظر لبعيد.
مهران قرب وباس إيده مساء الخير يا جدي.. عامل إيه النهاردة؟
الجارحي الكبير بصوت مبحوح بس قوي مهران.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ الشغل في البرج سايبينه لمين؟
مهران قعد على الكرسي اللي قدامه الشغل تمام يا جدي.. بس في موضوع أهم بكتير.. موضوع يخص عمتي فايزة.
أول ما الاسم اتقال، إيد الجارحي الكبير اترعشت على العصاية، وعنيه لمعت بدموع حاول يخبيها بكبريائه فايزة؟ إيه اللي فكرك بيها؟ أنا قايل الاسم ده ميتنطقش.
مهران طلع الجواب وشهادة الميلاد وحطهم في إيد جده فايزة ماتت من أربعين يوم يا جدي.. وسابتلك أمانة. سابت بنت اسمها زينب.. نسخة منك ومنها.
الجارحي الكبير مسك النظارة بإيد بترجف، وقرأ الجواب. دموعه نزلت على الورق الأصفر القديم. قرا كلام بنته اللي عاشت وماتت غريبة. بكى الجارحي الكبير لأول مرة من سنين.. بكاء ندم وشوق.
بنتها فين يا مهران؟ بنتها فين يا بني؟
مهران في الحفظ والصون يا جدي.. نقلتها شقة الزمالك لحد ما تترتب الأمور.
الجارحي الكبير وقف بصعوبة وسند على مهران تترتب إيه! دي تيجي هنا.. تعيش في حضني.. تعوضني عن السنين اللي راحت من عمر عمتك في الغربة. هاتهالي يا مهران.. هاتلي ريحة فايزة.
شقة الزمالك.. وبداية جديدة
الساعة بقت 9 بالليل. زينب كانت قاعدة في شقة الزمالك الواسعة والمطلة على النيل. الشقة كانت قمة في الفخامة والهدوء. محمود دفع كل الديون اللي عليها، وجاب شنطها البسيطة وحطها في الأوضة. كانت قاعدة مش عارفة تتحرك، حاسة إنها في حلم وخايفة تصحى منه.
الباب خبط.. فتحت لقت مهران واقف ببدلته بس مغير الجاكيت، وعلامات التعب والراحة في نفس الوقت باينة على وشه.
مساء الخير يا زينب.. استقريتي؟
زينب بخجل الحمد لله.. شكراً ليك جداً يا مهران بيه.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
مهران ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة مبدئياً كده.. مفيش بيه. أنا ابن خالك مهران. وشكراً دي متتقالش بين الأهل.
دخل مهران وقعد أنا جيت من عند جدي.. جدي بكى لما عرف، وعايز يشوفك بأسرع وقت. بس أنا قولتله نسيبك ترتاحي يومين وتستوعبي الوضع. والجامعة.. كلمت عميد الكلية بنفسي، ورقك كله هيتظبط وهترجعي تحضري من الأسبوع الجاي، ومصاريفك وكل اللي تحتاجيه هيوصلك لحد عندك.
زينب دمعت أنا بس كان نفسي أمي تكون شايفة ده.. كانت دايماً بتموت من الخوف عليا لما تسيبني لوحدي.
مهران قام وقرب منها، وطبطب على كتفها بحنان أخوي هي شيفاكي ومطمنة دلوقتي.. لأنك بقيتي في حماية مهران الجارحي. يلا ارتاحي، وبكرة هعدي عليكي بنفسي عشان نخرج نشتري حاجات تناسب مكانتك الجديدة، وبعده هنروح لجدي.
العودة للحضن الكبير
بعد يومين من الترتيبات وشراء ملابس تليق بحفيدة الجارحي، عربية مهران وقفت قدام فيلا المعادي. زينب كانت لابسة فستان أنيق ومحتشم، وقلبها بيدق بسرعة البرق.
دخلت ورا مهران.. وأول ما وصلت الصالون، لقت الراجل العجوز ذو الهيبة واقف ومستنيها. أول ما عين الجارحي الكبير جت في عين زينب، شاف فيها بنته فايحة وشاف فيها شبابه هو شخصياً.
فتح دراعه وهو بيقول بصوت مكسور من الشوق تعالي يا زينب.. تعالي يا بنت الغالية.
زينب من غير ما تحس، جريت عليه وارتمت في حضنه وبكت.. بكت على كل الأيام الصعبة اللي عاشتها، وعلى أمها اللي ماتت وحيدة. الجارحي الكبير كان بيطبطب عليها ويبوس رأسها سامحيني يا بنتي.. سامحوني.. نورتي بيتك ومكانك.
مهران كان واقف بعيد، باصص للمشهد وهو حاسس برضا تام. الحمل اللي كان على كتفه خف، والوصية اتفذت.
مرت الشهور.. وزينب اتأقلمت على حياتها الجديدة، ورجعت كليتها وتفوقت كالعادة، وبقت هي النور اللي مالي فيلا المعادي على الجد. ومهران بقى هو السند والظهر اللي بتتحامى فيه من أي حاجة.
عائلة الجارحي رجعت تلم شملها تاني، والسر اللي اندفن من 25 سنة، طلع منه أمل جديد غير حياة الكل للأحسن.
تمت.