رواية كاملة

لمحة نيوز

غالي. هشام ما اتكلمش في الشغل، قعد يسألها عن حياتها، عن أبوها، عن اللي بتعمله عشان تصرف على بيتها. كان بيسأل أسئلة بتكشف معدن الإنسان مش بس مهاراته.
لما وصلوا البرج الزجاجي الشاهق، نور حسّت برهبة، بس كان فيه حاجة جواها بتقولها خليكي واثقة يا نور، إنتِ عملتي الصح.
في المكتب،
هشام قعد وفتح ملف ال CV بتاعها، وقال مؤهلاتك ممتازة، بس أنا مش بدور على شهادات. أنا بدور على اللي يعرف قيمة الناس في زمن نسيوا فيه القيمة دي.
بص لها بتركيز وقال قوليلي، بعيداً عن البروتوكول.. ليه كنتِ عايزة الوظيفة دي بجد؟ عشان الفلوس ولا عشان الطموح؟
نور اتنهدت وقالت بصوت مسموع عشان أمي يا فندم. أمي مريضة، وبقالنا سنين بنحسب القرش قبل ما نصرفه عشان دواها. الوظيفة دي كانت بالنسبالي طوق نجاة، مش بس عشان أترقى أو أظهر.
هشام سكت لحظة، وبعدين أخرج قلم وورقة وكتب فيها حاجة ودفعها لنور.
قال ده مش عرض شغل عادي. أنا محتاج مديرة لمكتب المبادرات الإنسانية في شركتنا. شركتي بتعمل ملايين، بس أنا حاسس إننا فقدنا روحنا في السكة. عايزك تكوني أنتِ الروح دي. عايزك تراقبي قراراتي، وتفكريني دايماً إننا بشړ قبل ما نكون أرقام.
نور بصت للورقة، كانت مكتوب فيها عرض بمرتب مكنتش تحلم بيه. بصت لهشام، وبصت لليلى اللي كانت قاعدة بتلعب في ركن المكتب، وحست إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً.
موافقة؟ سأل هشام بابتسامة.
نور هزت راسها وهي مش قادرة تطلع كلمة، والدموع بدأت تلمع في عينيها.
إذن، دعينا نبدأ العمل. قام هشام ووقف قدام الإزاز، وقال النهاردة اتعلمت منك درس ما اتعلمتوش في أكبر جامعات الاقتصاد. إن اللي بيمتلك قلب سليم، بيمتلك الدنيا.
رن تليفون هشام، كان شغل كتير متراكم، بس هو بدل ما يتوتر، بص لنور وقال نور، تفتكري نقدر نخلي الشركة دي مكان يغير حياة الناس؟
نور وهي بتبص للفراشة البنفسجي اللي ليلى ادتهالها في المترو وقالت أعتقد إننا بدأنا فعلاً.
خرجت نور من المكتب، وعدت على الموظفين اللي كانوا بيشوفوها لا شيء الصبح، والنهاردة الكل بيبصلها باحترام وفضول. ابتسمت للكل، مش عشان هي بقت مديرة، بس عشان هي لسه نور اللي بتبص في عيون الناس وبتحس بوجعهم.
رجعت البيت في آخر اليوم، وفتحت الباب بلهفة. ماما! مش هتصدقي إيه اللي حصل!
حكت لأمها كل التفاصيل، والأم دمعت من الفرحة، مش بس عشان المرتب، بس لأن بنتها فضلت إنسانة في وسط طريق كان ممكن يخليها تقسى.
عدت الشهور، ونور غيرت شكل الشركة تماماً. بقيت المبادرات الإنسانية مش بس شعارات، بقيت واقع بتشوفه كل يوم. هشام اتغير، وليلى بقت بتعتبر نور أختها الكبيرة.
وفي حفلة كبيرة بعد سنة، وقف هشام على المسرح وقال قدام الكل قبل سنة، كنت فاكر إن النجاح هو الفلوس والشركات. لحد ما بنتي تاهت في المترو، ولقيت واحدة، ما كانتش بتملك غير قلب كبير، هي اللي رجعتها لي. نور حسن مش مجرد موظفة، نور هي اللي علمتني إزاي أكون بني آدم قبل ما أكون رجل أعمال.
الناس سقفوا كتير، بس نور كانت بتبص على ليلى في الجمهور وهي
بتلوح لها بإيديها.
خلصت الحفلة، ووقفت نور في البلكونة بتاع المكتب، بتشوف القاهرة من فوق، القاهرة اللي كانت پتخاف من زحمتها، بقت دلوقتي شايفاها مليانة فرص.
دخل عليها هشام وقالها لسه بتفكري في يوم المترو؟
ابتسمت وقالت كل يوم. لولا اللحظة دي، كنت ممكن أكون في مكتب تاني، بشتغل شغلانة تانية، ومكنتش هعرف يعني إيه إن الإنسان ممكن يغير حياة حد بكلمة طيبة.
هشام ضحك أظن إن ليلى لسه محتفظة بالاستيكر الفراشة اللي كان معاكي.
نور ضحكت وقالت وأنا لسه محتفظة بالدرس اللي اتعلمته في اليوم ده. إن الرحمة مش ضعف، الرحمة هي القوة الحقيقية.
وهكذا، في وسط زحمة القاهرة وصخبها، قدرت نور تثبت إن الخير بيقعد، وإن أي موقف صغير ممكن يغير مصير حياة كاملة، لو بس كان عندنا الشجاعة إننا نقف، نسمع، ونهتم.
تمت

تم نسخ الرابط