رواية كاملة

لمحة نيوز

إنه كان أشرف راجل اتعاملوا معاه.
ساعتها أمي بدأت تبكي.
وقالت
رحمة الله عليه.
الراجل هز راسه باحترام.
وأضاف
والأمانة لازم ترجع لأصحابها.
في الشهور اللي بعدها، حياة أمي اتغيرت.
مش بسبب الأموال.
لكن بسبب الكرامة اللي رجعت لها.
استأجرت شقة صغيرة جميلة على النيل.
وكانت كل جمعة تجمعنا فيها.
حتى أحمد كان بييجي.
لكن ما بقاش نفس الشخص.
كان دايمًا ساكت.
وكأنه شايل حمل كبير جواه.
وفي يوم بعد الغدا، طلب من أمي يتكلم معاها لوحدهم.
قعد قدامها.
وبكى.
بكى لأول مرة من يوم ۏفاة أبويا.
وقال
سامحيني يا أمي.
أمي حطت إيدها على راسه
أمي حطت إيدها على راسه.
ومسحت على شعره زي ما كانت بتعمل وهو صغير.
وقالت بصوت هادي
قوم يا ابني... دموعك أغلى عندي من أي حاجة.
لكن أحمد ما رفعش عينه من الأرض.
وقال وهو بيحاول يسيطر على صوته
أنا كل يوم بصحى فاكر المنظر ده... فاكر اليوم اللي رجعتي فيه من عند الدكتور ووقفتي قدام الباب ومفتاحك ما فتحش.
أمي سكتت.
وأنا كنت واقف بعيد سامع الكلام من غير ما أتدخل.
أحمد كمل
كنت عارف إن اللي بيحصل غلط... لكن خۏفي وضعفي خلوني أسكت.
أمي تنهدت وقالت
الغلط مش إن الإنسان يقع يا أحمد... الغلط إنه يفضل واقع.
رفع عينه أخيرًا.
فقالت له
وأنت جيت تعتذر. وده معناه إن ضميرك لسه صاحي.
اڼفجر في البكاء أكتر.
وأمي حضنته.
وكان أول حضڼ حقيقي بينهم من شهور طويلة.
لكن منى...
كانت واقفة عند باب الصالون.
وسامعة كل كلمة.
وفجأة دخلت.
والكل بص لها.
كانت عيونها حمرا من العياط.
وقالت لأمي
أنا كمان غلطت.
أمي ما اتكلمتش.
فكملت منى
أنا كنت فاكرة إن البيت بيضيق بسبب وجودك... لكن بعد ما مشيتي اكتشفت إن البركة هي اللي مشيت.
سكتت لحظة.
وبعدين طلعت مفتاح صغير من شنطتها.
وحطته قدام أمي.
وقالت
ده مفتاح الشقة القديمة... الشقة لسه أوضتك فيها زي ما هي. ولو عمري أقدر أصلح اللي عملته هفضل أحاول.
أمي بصتلها طويلًا.
ثم قالت
القلوب هي اللي لازم تتفتح قبل الأبواب.
وبعدها قامت وحضنتها.
ومن يومها بدأت العلاقة ترجع بالتدريج.
مش بسهولة.
ومش في يوم وليلة.
لكن بخطوات صغيرة وصادقة.
بعد حوالي ستة أشهر، حصلت حاجة جديدة.
المحامي نفسه اتصل بأمي.
وطلب يقابلها ضروري.
افتكرنا في البداية إن الموضوع له علاقة بالشركة أو العمارة.
لكن لما وصل، كانت ملامحه مختلفة.
طلع ملف قديم جدًا.
وقال
في ورقة كانت موجودة وسط أوراق المرحوم محمود، وما ظهرتش غير دلوقتي أثناء مراجعة الأرشيف.
أمي استغربت.
وقالت
ورقة إيه؟
فتح الملف.
وطلع عقد شراء قطعة أرض كبيرة على أطراف المدينة.
العقد عمره أكتر من عشرين سنة.
لكن الأرض دي كانت اتنسيت تمامًا.
ومع التوسع العمراني اللي حصل خلال السنين الأخيرة...
بقت تساوي ثروة ضخمة.
كلنا اټصدمنا.
لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر صفحة.
كان فيه خطاب صغير من أبويا.
مكتوب فيه
هذه الأرض لا تباع إلا إذا احتاج أحد أولادي أو أحفادي إليها في أمر ينفع الناس.
أمي ابتسمت وهي بتقرأ.
وقالت
حتى وهو مش موجود... لسه بيفكر فينا.
مرت الشهور.
وفي يوم حفيدي الصغير مرض مرضًا شديدًا.
واحتاج عملية دقيقة وتكلفة كبيرة.
قبل ما أي حد يتكلم، أمي باعت جزءًا صغيرًا من
الأرض.
وسددت كل المصاريف.
وقالت
أبوك كان عامل حساب اليوم ده.
نجحت العملية.
ورجع الطفل يضحك ويلعب من جديد.
وفي ليلة الاحتفال بشفائه، اجتمعنا كلنا حول السفرة.
أولاد وأحفاد.
وأحمد قاعد جنب أمه.
ومن غير ما حد يطلب منه، قام ووقف.
وقال
أنا عايز أقول حاجة.
الكل سكت.
فبص لأمه وقال
زمان كنت فاكر إن النجاح فلوس وبيوت وعربيات.
ثم أمسك يدها.
وأضاف
لكن أغلى حاجة تعلمتها إن رضا الأم أكبر من أي ثروة.
نزلت دموع أمي.
وابتسمت.
أما أنا فبصيت لصورة أبويا المعلقة على الحائط.
وحسيت وكأنه حاضر وسطنا.
لأن كل خير حصل بعد رحيله...
كان بسبب قلبه الطيب، وحكمته، وحبه لعيلته.
وفي اللحظة دي فهمنا جميعًا أن بعض الناس لا يرحلون فعلًا...
بل يتركون أثرًا يبقى حيًا في قلوب من أحبّوهم، لسنوات طويلة بعد غيابهم.

تم نسخ الرابط