رواية كاملة

لمحة نيوز

إن ضياع البيت ده هو مجرد التسخين، وإن اللي حضرته له في الورقة دي، مفيش كابوس يقدر يوصفه!
سيف فتح الظرف، وارتجفت يده بشكل أظهر توتره حتى من على بُعد. وقفتُ في سيارتي، أراقب المشهد عبر المرآة، أتنفس هواء البصرة الممزوج برائحة النهر، ولأول مرة منذ سنوات، أشعر أن رئتيّ تتنفسان بحرية، بلا قيود العبء التي وضعوها فوق صدري.
الحقيقة التي لم يقرأوها في ملامحي
في الرسالة، لم أكتب عتاباً؛ العتاب لمن يرجى منه الإصلاح، أما سيف، فقد انطفأ في قلبي منذ تلك المكالمة. الورقة كانت تحمل نصاً قانونياً ومفاجأة قاسېة
إلى سيف.. الذي رأى في تعبي عبئاً، وفي ذكريات والده عقاراً للاستثمار.
لم أبع البيت لأهرب، بل بعته لأحررك من وهم الطمع. كل شبر في هذا البيت، وكل قرش دفعناه أنا ووالدك، كان موثقاً باسمي، وما كان سيفلت من يدي القانوني هو هذا البيت فقط. أما أموال الشركة التي ورثتها عن والدك، والتي كنت تظن أنها تحت تصرفي، فقد قمتُ منذ عامين، وبمساعدة قانونية دقيقة، بتحويلها إلى صندوق ائتماني Trust لا يحق لك لمسه إلا إذا أثبتَّ استحقاقك، وهو ما لن يحدث، لأنني أرفقتُ مع الرسالة نسخة من تسجيل المكالمة التي وصفتني فيها بالعبء، موجهةً لجهاتِ تدقيقٍ مالي طلبتها بنفسي. لقد أصبحتَ الآن مطالباً قانونياً بإثبات مصدر ثروتك التي صرفتَها في تركيا والإمارات، بعد أن أوقفتُ عنك الوكالات التي كنتَ تستغلها.

الصدمة في ردهة البيت
رأيتُ سيف يترنح، سقطت الورقة من يده. أحلام، التي كانت بالأمس ملكة التخطيط، اقتربت منه وخطفتهما من يده. قرأت، ثم اتسعت عيناها بذهول، تحولت ملامحها من الغطرسة إلى لون شاحب يشبه طلاء الجدران الذي كان يكسو بيتي.
بدأ سيف ېصرخ في البيت الفارغ، يضرب الجدران، كأنما يحاول استخراج الورق من قلب الحجر. لم يكتفِ البيت بالرحيل، بل أخذ معه كل ما كان يربطه بالمستقبل الذي رسمه على چثتي.
المواجهة التي لم يتوقعوها
خرج سيف إلى الشارع وهو يلتفت حوله پجنون، فجأة وقعت عيناه على سيارتي. لم أهرب، بل
أدرت المحرك وأطفأت الأضواء، وتراجعت قليلاً لأفسح له المجال ليقترب. مشى بخطوات متعثرة، وأحلام خلفه تحاول استجماع شتات نفسها.
فتحتُ النافذة قليلاً. اقترب سيف، ووجهه متورم من الڠضب والذل.
فين الفلوس يا أمي؟ فين الرصيد؟ إنتي عملتي إيه؟! صړخ بصوتٍ متهدج.
نظرتُ إليه ببرود، نظرة لم يعهدها مني طوال حياته. قلتُ بهدوء قاټل
سيف، أنت قلتَ إنني عبء. والعبء لا يصحبه مال، العبء يرميه المرء خلف ظهره ليمضي خفيفاً. أنا الآن خفيفة، وأنت؟ أنت عالق في حساباتك التي لم تكتمل.
أحلام حاولت التدخل بصوتها الناعم يا طنط، إحنا كنا بنهزر، إحنا بنحبك، ده كان ضغط شغل..
قاطعتها بابتسامة مريرة الضحكة العالية التي سمعتها في التسجيل لا تشبه ضحكة الخۏف التي أسمعها الآن. ابحثوا عن مستقبلكم، البيت ليس لي، والمال ليس لكم. لقد أعدتُ توزيع التركة على دور الأيتام التي كنتِ يا أحلام تتنمرين عليها، وعلى العمال الذين ساعدوا والدك في بناء كل طوبة في هذا البيت.
النهاية درسُ الحطام
تركتهم في منتصف الشارع، وابتعدتُ بسيارتي نحو شقتي الصغيرة المطلة على شط العرب.
لم تنتهِ القصة هنا. سيف وأحلام قضيا الأشهر التالية في دوامة من القضايا الخاسرة، اكتشفا أنني قمتُ بتوثيق كل لحظة إهمال وكل محاولة لاستغلالي، وأن محاميّ الأمين كان يجهز الملفات منذ اللحظة التي بدأت فيها أحلام بإرسال صور دور المسنين.
أما أنا، فقد بدأتُ حياتي الجديدة. تعلمتُ كيف أرسم، كيف أخرج في الصباح دون
أن أنتظر أحداً ليجلب لي الطلبات، كيف أكون أنا بعيداً عن كوني أم سيف.
البيت الذي اشتراه المستثمر الجديد، قام بهدمه ليبني مكانه برجاً سكنياً. أخبرني جاري أن سيف كان يأتي أحياناً، يقف أمام الحطام، ينظر إلى الأرض حيث كانت الغرفة التي نام فيها طفلاً، ويمضي.
لم أعد أنتظر اتصاله، ولم يعد هو يملك رصيداً للاتصال. تعلم سيف أن العبء الذي أراد التخلص منه، كان هو السقف الذي يحميه من غدر الدنيا.
وعندما سألني المحامي يوماً هل ندمتِ؟، نظرتُ إلى انعكاس وجهي في ماء النهر، وقلتُ لم أكسر ابني، بل كسرتُ القيد الذي كان يربطني بضعفي. لقد أعطيتُه فرصة ليعيش حياته بمفرده كما تمنى.. وهذا كان أعظم هدية يمكن أن تقدمها أمٌّ لابنها الجاحد.
انتهت القصة، وبقيتُ أنا، صامدةً كشط العرب، لا يغيرني الزمن، ولا تكسرني الخېانة.

تم نسخ الرابط