رواية كاملة
المحتويات
الحاج عادل، ومامته الحجة نادية. طارق كان باين عليه التبديد والبهدلة، وشه كان مخطوف وعينه بتلف في الصالة لحد ما جت في عيني، حاول يتقدم خطوة بس نظرة بابا وقفته مكانه.
الحاج عادل دخل وهو بيتنحنح ووشه في الأرض، باين عليه الإحراج الشديد، وقال السلام عليكم يا أبو نادين. إحنا جايين نقعد ونفهم إيه اللي حصل، العيال شدوا مع بعض في الشقة وطارق جالي منهار ومش فاهمين فيه إيه.
بابا رد بجمود وصرامة تهز الحيطة توجب وتفضل يا حاج عادل، اتفضلوا اقعدوا. بس ابنك فاهم كويس إيه اللي حصل، والست اللي كلمت نادين في التليفون وفضحت اللعبة كلها فاهمة برضه.
قعدنا كلنا، الصالة كانت ماليانة توتر يخنق. طارق بدأ يتكلم بسرعة وصوته مرعوش يا عمي، والله العظيم كل الكلام ده كدب وفيه حد قاصد يشوه صورتي قدامكم! أميرة دي ماضي وخلص من زمان، والشقة دي بتاعتي وأنا اللي دافع فيها كل مليم، ومفيش أي قضايا ولا كلام فارغ من ده!
في اللحظة دي، ومامته قاعدة جنبه بتهز في رجلها وبتلعب في غويشتها ببرود، افتكرت رسالة أميرة الحقيقية وصورة عقد الشرا. طلعت التليفون وفتحت الصورة، وحطيتها قدام عين الحاج عادل وبابا.
قولت بصوت عالي وثابت عقد الشرا أهو يا حاج عادل! أميرة بنفسها باعتالي صورة العقد اللي بينها وبين ابنك، الشقة دي بالنص، والسبعين ألف بتوع شبكتي هما فلوس أجهزتها اللي طارق لطشهم منها! ابنك نصاب وجاي يعمل عليا راجل ويبخل عليا بخاتم عشان بيسد خانة!
الحاج عادل مسك التليفون، وبص في الصورة، وشه قلب مية لون. التفت لطارق وضربه بالقلم على وشه قدامنا كلنا! القلم ملى الصالة صدى صوت قوي. الحاج عادل زعق بصوت غضبان يا فاجر! يا كداب! مش قولتلي إنك فضيت المشاكل اللي بينك وبين البنت دي ورجعتلها حقها؟ جاي تتبلى على بنات الناس وتدبسنا في مصيبة؟
طارق حط إيده على وشه وبص للأرض وهو ساكت، مكنش قادر ينطق. بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا... الصدمة كانت في رد فعل مامته، الحجة نادية.
الحجة نادية وقفت فجأة وصوتها علي بالردح جرى إيه يا حاج؟ إنت بتضرب ابنك قدامهم عشان كلام عيال ورسائل مجهولة؟ وبعدين البت أميرة دي هي اللي كانت لزقة، وابني سابها بمزاجه! والشقة دي باسم طارق، وهي ملهاش حاجة! وإنتي يا ست نادين، جاية تعملي لينا حكاية عشان خاتم؟ ما إنتي شبكتك كاملة وزي الفل، إيه الطمع ده؟
بصيت للحجة نادية وأنا مش مصدقة عيني. الست دي مدافعة عن ابنها في السرقة والغش! وفجأة... رن في وداني صوت الست اللي كلمتني في التليفون إمبارح والنهارده. الصوت المكتوم اللي كان طالع من السبيكر... النبرة... الطريقة اللي بتقول بيها طارق مبيحسبش القرش مع أصحابه، ومبيترددش يشتري لأمه أغلى حاجة.
ركزت في صوت الحجة نادية وهي بتزعق وتتخانق مع بابا وماما. عقلي بدأ يربط الخيوط ببعضها. الست اللي كلمتني كانت عارفة إن طارق اشترى لأمه خاتم غالي إمبارح... وعارفة تفاصيل السبعين ألف... وعارفة عقد أميرة. مين اللي يضايقها إن طارق يشتري لأمه خاتم، وفي نفس الوقت يهمها إن الجوازة دي متمش؟
الحجة نادية مكنتش ممكن تعمل كده في ابنها... بس طارق عنده أخت! منى... أخت طارق المتجوزة اللي دايماً كانت بتبصلي بنظرات غيرة غريبة، واللي كانت واقفة معانا إمبارح في محل الدهب بس مشيت بدري قبل ما نخلص! منى اللي دايماً بتشتكي إن طارق مبيساعدهاش في مصاريف بيتها وبيدي كل حاجة لأمه!
الشك لمس قلبي وزلزلني. بصيت لطارق وقولتله ببرود قاتل وسط خناقة
أهله أختك منى فين يا طارق؟
الكل سكت فجأة. طارق بصلي باستغراب منى؟ منى في بيتها، إيه دخل منى دلوقتي؟
قولتله وأنا برفع التليفون دخل منى إنها الست اللي كلمتني وفضحتك. أختك هي اللي مش قادرة تشوفك بتشتري لمامتك خاتم غالي ومبتدهاش، وهي اللي عارفة كل بلاويك مع أميرة وعارفة إنك واخد فلوسها. أختك هي اللي خربت عليك يا طارق!
الحجة نادية وشها اتقلب وبقت تبرق إنتي بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة إنتي؟ بنتي منى تعمل كده؟
في اللحظة دي، التليفون في إيدي نور. المرة دي كانت رسالة جديدة من الرقم المجهول الأولاني، كأنها كانت سامعة الخناقة أو قاعدة معانا، الرسالة كانت مكتوبة بوضوح برافو يا نادين، بدأتي تشغلي عقلك. بس لسه فايتك كتير... اسألي الحجة نادية كده، الغويشتين اللي في إيدها دول، مش دول اللي طارق أخدهم من ورا أبوه عشان يرضيها بيهم بعد ما عرفت إنه كان بيدي فلوس لأميرة في السر؟ البيت ده كله مبني على الكدب يا نادين، وكلهم عارفين وبيداروا على بعض.
مسكت التليفون ووريت الرسالة للحاج عادل. الراجل وبص للرسالة، وبعدين بص لمراته الحجة نادية اللي جسمها كله بدأ يترعش وعينها بتلف في الأوضة بخوف. الحاج عادل قرب منها وصوته بقى واطي ومرعب الكلام ده صح يا نادية؟ الغوايش دي من فلوس البت التانية؟ إنتي كنتي عارفة إن ابنك واكل شقى البنت وساكتة عشان كام جرام دهب؟
الحجة نادية رجعت لورا وبلعت ريقها يا حاج... يا حاج اسمعني بس... طارق ابني...
الحاج عادل مقلهاش تكمل، التفت لبابا وقال بنبرة مكسورة تماماً أنا حقك عليا يا أبو نادين. أنا مكنتش أعرف إن بيتي ماليان وساخة بالمنظر ده. حاجتكم هتوصلكم لحد البيت، والخطوبة دي ملغية، وابني ده ملوش قعاد في بيتي من النهارده.
بابا وقف وفتح الباب على آخره وقال بجمود الحاجة عندك اهي يا حاج عادل، الشنطة دي فيها الشبكة كاملة بالمليم، مش عايزين من ريحتكم حاجة. اتفضلوا من غير مطرود، وبيننا وبين ابنك القضاء لو فكر يقرب من البنت تاني.
طارق حاول يتكلم، حاول ينادي عليا نادين... والله أنا بحبك...
بصيت له بقرف وقولتله إنت متحبش غير نفسك وفلوسك يا طارق. اخرج بره.
خرجوا كلهم، والباب اتقفل وراهم بقوة. الصالة رجعت هادية، بس هدوء بعد العاصفة. رميت نفسي في حضن ماما وبكيت، بس المرة دي مكنش بكا قهر... كان بكا راحة. راحة إن ربنا نجاني من عيلة كاملة عايشة في الغش والكدب، عيلة بتاكل حق الناس وبتداري على بعض عشان شوية دهب ومظاهر كدابة.
عدا أسبوع على اليوم ده. قفلت تليفوني القديم تماماً ورميت الخط، وجبت خط جديد ومكنتش بدخل على السوشيال ميديا. حاولت أرجع لحياتي الطبيعية، أركز في شغلي وفي نفسي. بابا وماما كانوا محاوطيني بكل الحب والأمان، ومحسسونيش بأي ذنب.
وفي يوم، كنت قاعدة في الأوضة بقرأ كتاب، لقيت ماما بتنادي عليا وصوتها مستغرب نادين... تعالي يا بنتي، فيه واحدة واقفة على الباب وعايزاكي بالاسم.
قمت واستغربت، رحت ناحية الباب. فتحت، ولقيت واحدة واقفة، ملامحها هادية بس باين عليها التعب والكسرة، شابة في أواخر العشرينات. بصتلي وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت مساء الخير يا نادين. أنا أميرة.
جسمي كله اتخشب. أميرة؟ الخطيبة القديمة لطارق واقفة قدام باب بيتي؟
وسعت لها الباب وأنا مذهولة أميرة؟ اتفضلي... ادخلي.
دخلت أميرة وقعدت في الصالة، ماما جابتلها عصير وبصتلي بقلق وسابتنا لوحدنا. أميرة بصت للمكان وبعدين بصتلي وقالت أنا جيت عشان أشكرك... وعشان أقولك إن قضية الشقة أنا كسبتها إمبارح، والشقة رجعتلي بالكامل.
قولتلها بنبرة هادية مبروك يا أميرة، ده حقك وشقاكي. بس إنتي عرفتي بيتي منين؟
أميرة سكتت ثواني، وطلعت تليفونها، وفتحت صفحة شات. ورتني الشات وقالت أنا عرفت بيتك وعرفت كل حاجة عنك من الشخصية اللي كانت بتبعتلك الرسايل. الشخصية دي كلمتني أنا كمان بعد ما كسبت القضية، وقالتلي إنك بنت حلال وتستاهلي إننا نقف جنبك.
بصيت للشاشة، وبقيت أقرا الكلام. وفجأة عيني وقعت على الاسم وصورة الأكونت المبعوث منه الكلام لأميرة. الاسم مكنش منى أخت طارق... ولا كان حد من قرايبه.
الاسم كان صدمة تالتة ورابعة، صدمة خلتني أدرك إن اللعبة أعمق بكتير من مجرد غيرة إخوات أو حقد قرايب. الأكونت كان باسم البشمهندس حسام... المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق! والست اللي كانت بتتكلم في التليفون مكنتش ست أصلاً... ده كان برنامج تغيير صوت، وحسام هو اللي كان بيلعب الخيوط دي كلها من ورا الستار!
بصيت لأميرة وقولت بذهول المهندس حسام؟ هو ليه يعمل كل ده؟ وليه يخرب على طارق ويساعدنا إحنا الاتنين؟
أميرة نزلت عينها للأرض ووشها احمر، وقالت بصوت واطي عشان حسام يبقى...
عشان حسام يبقى أخويا الصغير يا نادين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لأميرة وأنا مش قادرة أربط الكلام ببعضه. حسام المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق، واللي أنا شفته مرتين تلاتة بيتكلم معاه في الترتيبات، يبقى أخو أميرة؟ يعني كل ده كان ملعوب؟
أميرة خدت نفس طويل وكملت كلامها وعينها مدمعة حسام لما شافني وأنا بموت بالبطيء بعد ما طارق سابني وأخد شقايا وفلوس عمري اللي سافرت الغربة عشان أعملها، حلف إنه مش هيسيبه يتهنى. طارق مكنش يعرف إن حسام أخويا، لأن حسام شغال في المحافظة تانية وبيرجع على الشغل علطول، ولما طارق أعلن عن مسابقة أو طلب مهندس ديكور يشطب الشقة على النت، حسام دخل له بأكونت الشغل وقدم له عرض بسعر رخيص جداً عشان طارق يوافق ويسيل لعابه. طارق مكنش يعرف إنه بيدخل الشيطان بيته برجليه.
سكتت شوية وبصت للكوباية اللي في إيدها وكملت حسام كان بينقل لي كل حاجة. كان بيشوف طارق وهو بيصرف فلوسي عليكي وعلى أمه، ويوم ما نزلتوا تختاروا الدهب، حسام عرف من طارق كل التفاصيل، وعرف إنه مستخسر فيكي الخاتم اللي بستة آلاف جنيه في نفس الوقت اللي جاب لأمه خاتم غالي من ورا أبوه. حسام استعمل برنامج تغيير الصوت عشان يكلمك، وكان باعت لمنى أخت طارق يوقع بينها وبين أمها برضه عشان يخلي البيت كله يضرب في بعضه. حسام مكنش عايز يخرب عليكي يا نادين، هو قالي إنك بنت غلبانة وملكيش ذنب، وكان عايز يفوقك قبل ما تدبسي في شقة عليها قضايا وتلاقي نفسك في الشارع.
قعدت مذهولة، مش عارفة أزعل إن اتلعب بيا بالشكل ده، ولا أفرح إن ربنا سخر لي الناس دي عشان أكتشف حقيقة البني آدم اللي كنت هربط اسمي باسمه.
قولت لأميرة وصوتي هادي أنا مش زعلانة يا أميرة، بالعكس، أنا بشكر حسام وبشكرك. طارق كان غاميني ومكنتش هفوق غير بصدمة تكسرني بجد بعد الجواز.
أميرة قامت وقفت وطبطبت على كتفي أنا لازم أمشي دلوقتي يا نادين. حسام بره مستنيني في العربية، ومكنش حابب يدخل عشان ميعملش ليكي حرج. بس كان لازم أجي وأقولك الحقيقة كاملة عشان ضميرنا يرتاح، وعشان تعرفي إن حقنا رجع، وإنك كنتي سبب في إن الحقيقة تظهر قدام الحاج عادل.
مشيت أميرة، وقبل ما تقفل الباب، بصتلي وقالت خلي بالك من نفسك، طارق مش هيسكت، حسام قالي إن طارق قالب الدنيا وبيدور على اللي عمل فيه كده، وممكن يجي ليكي تاني.
قفلت الباب وسندت ضهري عليه وأنا بحس بجبل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت فيه قلق جديد بدأ يتسحب لقلبي. طارق مش هيسكت. طارق خسارته المرة دي كبيرة؛ خسر الشقة، وخسر فلوس أميرة، وأبوه طرده من البيت، وجوازته مني باظت وفضحته في المنطقة كلها. واحد زي ده لما يضيع منه كل حاجة، بيبقى زي الذيب الجريح، مبيفكرش غير في الانتقام.
عدا يومين، والحياة بدأت تاخد مجرى هادي شوية. بابا نزل شغله عادي، وماما بدأت تفتح شبابيك البيت تاني وترجع الضحكة لبيتنا. كنت قاعدة في الصالة العصر وسامعة صوت أم كلثوم في الراديو وماما بتعمل شاي، وفجأة تليفون البيت رن.
رحت رديت ألو؟
جالي صوت راجل كبير، تعبان ومكسور ألو... نادين؟ أنا الحاج عادل يا بنتي.
اتعدلت في قعدتي وقولت باحترام أهلاً يا حاج عادل، خطوتك عزيزة. اتفضل.
الراجل اتنهد تنهيدة طالعة من ضلوعه وقال يا بنتي أنا بكلمك وأنا عيني في الأرض من أبوكي ومنك. أنا عرفت كل حاجة، وعرفت إن طارق كان عامل مصايب من ورايا، والمهندس حسام جالي إمبارح الورشة وحكالي على كل حاجة ووراني المستندات اللي تثبت إن طارق كان بياخد فلوس البنت التانية. أنا طردت طارق من البيت وكتبت الورشة والمحلات كلها باسم إخواته البنات، وقولتله مملكش عندي مليم واحد شقى. بس أنا بكلمك عشان أحذرك يا بنتي... طارق عقله طار، وعرف إن حسام هو اللي عمل كده، وعرف إن حسام أخو أميرة، وعرف كمان إن أميرة جاتلك البيت.
قلبي انقبض وقولت بخوف هو ناوي على إيه يا حاج؟
الحاج عادل قال بصوت مرعوش طارق نزل من البيت إمبارح وهو قالب وشه وشايل غل الدنيا، وعرف إن حسام مسافر بكره الصبح يخلص ورق الشقة في المحافظة التانية، وطارق مهدد إنه هيخلص حقه
متابعة القراءة