رواية كاملة

لمحة نيوز

بنت أخويا كانت كل ما آكلها لحمة تاخد نصها في منديل وتحطه في شنطتها واللي اكتشفته بعدها كان صدمة عمري.
اسمي أحمد.
وعندي 41 سنة.
وأخويا الله يرحمه ماټ من 3 سنين.
وساب بنته الوحيدة ملك.
بنت عندها 10 سنين.
هادية.
مؤدبة.
وعمرها ما طلبت حاجة من حد.
بعد ۏفاة أبوها، أمها اتجوزت وسافرت مع جوزها الجديد.
وسابت البنت عند جدتها.
ومن وقتها وأنا بحاول أعوضها على قد ما أقدر.
كل أسبوع تقريبًا كنت أجيبها تتغدى عندي.
وأشتريلها حاجات.
وأخرجها.
لكن كان في حاجة غريبة جدًا.
كل مرة أحطلها لحمة أو فراخ في طبقها
تاكل حتة صغيرة.
وبعدين تبص حواليها.
وتلف باقي القطعة في منديل.
وتحطها بسرعة في شنطتها.
أول مرة افتكرت إنها هتاكلها بعدين.
تاني مرة استغربت.
تالت مرة بدأت أقلق.
لكن كل ما أسألها تبتسم وتقول
أصلّي بشبع بسرعة يا عمو.
وفي يوم قررت أراقبها من غير ما تحس.
بعد ما خلصنا الأكل.
خدت شنطتها.
واستأذنت تمشي.
مشيت وراها بالعربية من بعيد.
لحد ما وصلت البيت.
نزلت.
ودخلت تجري على طول.
استنيت شوية.
وبعدين طلعت عند أمي.
وسألت عليها.
قالتلي إنها جوه الأوضة.
دخلت بهدوء.
ولقيت منظر عمري ما هنساه.
لقيت ملك قاعدة جنب سرير جدتها.
وجدتي كانت تعبانة ومش قادرة تقوم.
وهي بتفتح المنديل اللي خبّت فيه اللحمة.
وتقطعها قطع صغيرة.
وتقول لها بابتسامة
كلي يا تيتة النهارده جبتلك لحمة حلوة أوي.
اتجمدت مكاني.
وحسيت إن قلبي اتعصر.
لأن البنت اللي كنت فاكرها بتخبي الأكل لنفسها
كانت بتخبيه عشان جدتها.
ولما سألت أمي بعد كده ليه ما بتطلبش مني أجيب لهم حاجة
سكتت شوية.
وبعدين قالت جملة خلتني أبص في الأرض من الكسوف
ملك كانت بتقول دايمًا إنك بتساعدهم كتير وما ينفعش تتعبك أكتر من كده.
لكن الصدمة الأكبر
إني لما فتحت شنطتها بعد ما نامت يومها
لقيت جواها 
لقيت جواها مش بس بقايا اللحمة أو الفراخ اللي كانت تاخدها من كل وجبة، لكن كمان ورقة صغيرة مطوية بعناية، ومكتوبة بخط طفولي بسيط، فيه كلمات متقطعة كأنها حاولت تكتبها وهي بتتعلم الحروف في المدرسة. فتحته ببطء، وبدأت أقرأ والدموع بدأت تملأ عيني من غير ما أحس
يا تيتة، أنا عارفة إنك بتحبي اللحمة، وإن الدكتور قالك إنك محتاجة تاكلي بروتين عشان تقوي عظامك وتقدرى تقومي من السرير. عمو أحمد بيجيب لي كل أسبوع، بس أنا شبعانة، وأنا بحب أشوفك بتاكلي وتبتسمي. متقوليش لعمو عشان ما يزعلش، هو بيصرف كتير علينا، ومش عاوزة أثقل عليه أكتر. لما تكبر هجيب لك أحسن لحمة في الدنيا كلها، وتاكلي منها لحد ما تشبعي وتقومي تمشي تاني.
وقعت الورقة من إيدي، وجلست جنب سريرها وهي نايمة، ووجهها الناعم هادئ، كأنها ما حملتش هم الدنيا كلها على كتفها الصغير ده. تذكرت أخويا الله يرحمه، وكيف كان دايماً يقول لي إن البنت دي جاية لنا رزق وسعادة، وإنها بتملك قلب أطيب من أي قلب شفته في الدنيا. وكنت طول الوقت فاكر إني بقدم لها كل حاجة، وإن أنا اللي بعوضها عن أب وأم،
وإنها محتاجة مني كل دعم لكن الحقيقة إنها هي اللي كانت بتعلمني معنى الكرم، والوفاء، والشكر من غير كلام.
في اليوم التالي، صحيت ملك بدري كالعادة، ولبست فستانها القديم اللي بتحبه، وجابت كوباية المياه وحطتها جنب سرير جدتها، وقعدت تقرأ لها آيات من القرآن الكريم زي ما تعلمتها في المدرسة. لما شافتني داخلاً، ابتسمت لي بابتسامتها الحلوة، وقالت بصوتها الناعم صباح الخير يا عمو، جيت بدري النهاردة ليه؟
ما قدرت أتكلم أولًا، بس قربت منها، وحضنتها بقوة، وحسيت جسمها الصغير يرتاح في حضڼي، كأنها كانت محتاجة للحضنة دي من زمان. قلت لها بصوت فيه دموع مكتومة صباح النور يا روح عمو، جيت عشان أقول لك حاجة، وسمعيني كويس.
نظرت لي بعينيها البريئة، وقالت أنا سامعة يا عمو، قولي لي.
قلت لها وأنا أحاول أسيطر على مشاعري عرفت كل حاجة يا ملك، عرفت إنك بتخبي الأكل لجدتك، وإنك بتقولي إنك شبعانة عشان ما تثقلي عليا. واقرأت الورقة اللي كتبتيها كمان.
اتغير لون وشها، وبدأت الدموع تنزل على خديها، وبدأت تتمتم بخجل وخوف معلش يا عمو ما كنت عاوزة أزعلك ولا أتعبك أكتر أنا كنت فاكرة إنك مش هتعرف وأنا فعلاً بشبع بسرعة وتيتة بتعجبها الأكل اللي بتجيبه أرجوك ما تزعل مني.
رفعت إيدي ومسحت دموعها، وقلت لها بكل دفء وحنان أنا مش زعلان يا روحي، أبدًا. أنا فخور بيك أكتر من أي كلام يتقال. بس اسمعيني كويس أنا عمك، وأبوكي الله يرحمه سابكم في عنقي، ومش مجرد واجب، ده واجب وحب مع بعض. لما أجيب لكم أكل أو حاجة، دي حاجة بتسعدني، ومش بتعبني ولا بيثقل عليا أبدًا. فهمتي؟ مفيش أي مشكلة لو طلبتي أي حاجة، لو عاوزة أجيب كل يوم لحمة أو فراخ لجدتك، أنا جاهز ومش هتأخر دقيقة واحدة.
كانت جدتي قاعدة تسمع الكلام، وبدأت هي كمان تبكي، وقالت بصوت ضعيف لكن مليء بالحنان شوفي يا أحمد، قلت لك إنها كنز جابها لنا ربنا. من يوم ما مرضت، وهي ما فارقتني دقيقة، ولا قالت كلمة شكوى أبدًا. كنت أتساءل ليه هي بتيجي كل يوم ومعاها أكل طيب، وبتقول إنها جابته من عند صديقتها في المدرسة أو من جارتنا، وصدقتها عشان ما أحرجها. والله البنت دي تحملت همي وهمها وهي في سنها ده.
جلست معاهم في نفس اليوم، واتفقنا إننا هنغير نظامنا تمامًا. قلت لملك من النهاردة، كل وجبة هنجيبها، هنعملها لجدتك معاك، ونأكلها سوا. ولا تخبي حاجة تاني، ولا تقولي إنك شبعانة لو لسه جعانة. لو عاوزة أي حاجة، حتى لو كانت أصغر حاجة، تقولي لي فورًا، ومش هنستنى حتى. فاهمة؟
هزت رأسها بالإيجاب، وابتسمت ابتسامة كبيرة لأول مرة من غير خجل، وقالت حاضر يا عمو، هعمل زي
ما تقول، ومش هخبي حاجة تاني، بس متتعبش نفسك كتير أرجوك.
مرت الأيام، وبدأت الأمور تتغير للأحسن. كنت أجيب لهم كل ما يحتاجونه، وملك كانت تساعد جدتها في كل شيء تغسل لها وجهها، وتعطيها الدواء في موعده، وتقرأ لها القصص، وتجلس بجانبها لساعات طويلة تتكلم معاها وتضحك، كأنها بتعطيها طاقة وحياة جديدة. وجدتي

تم نسخ الرابط