رواية كاملة
بعده.
لكن الحقيقة
القصة ما انتهتش عند كده.
لأن بعد سنة تقريبًا من ظهور الحقيقة كاملة
وصلتني دعوة غريبة.
كانت من جامعة كبيرة.
طالبين مني أكون المتحدث الرئيسي في مؤتمر عن القيادة والتعافي بعد الأزمات.
وافقت.
مش علشان الشهرة.
لكن لأني بقيت مؤمنة إن أصعب لحظات الإنسان ممكن تتحول لشيء يفيد غيره.
يوم المؤتمر
كنت واقفة ورا الستارة مستنية دوري.
وفجأة لمحت في الصفوف الأولى وش مألوف.
مش كريم.
ولا أمي.
ولا أي حد من عيلتي.
كانت مديرة المدرسة القديمة اللي كنت بشتغل فيها.
نفس المديرة اللي فصلتني أول ما سمعت الإشاعات.
من غير تحقيق.
من غير سؤال.
من غير فرصة أدافع عن نفسي.
بعد المحاضرة
جت ناحيتي.
وكان واضح عليها التوتر.
وقالت
ممكن دقيقة؟
ابتسمت.
وقلت
اتفضلي.
بصت في الأرض.
وقالت
أنا آسفة.
الغريب إن كلمة آسفة دي بقت تتكرر كتير في حياتي.
لكنها كانت تيجي متأخرة جدًا.
قالت
ظلمتك.
وكنت المفروض أسمعك.
هززت رأسي.
وقلت
كان المفروض فعلًا.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
بس اللي حصل حصل.
هي بدأت ټعيط.
وقالت
عارفة.
بس كنت محتاجة أقولهالك.
في اللحظة دي
فهمت حاجة مهمة.
إن الاعتذار مش دايمًا بيرجع اللي ضاع.
لكن أحيانًا بيحرر صاحبه من الذنب.
بعدها بشهور
رجعت أزور قبر أبويا.
أول مرة من سنين.
وقفت قدام القپر.
وحكيت له كل حاجة.
زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة.
حكيت له عن الۏجع.
وعن الوحدة.
وعن الأيام اللي كنت بنام فيها وأنا مش عارفة هصحى أعيش إزاي.
وحكيت له عن النجاح.
وعن المؤتمرات.
وعن الناس اللي بقيت تساعدهم.
وفي الآخر قلت
أنا بخير يا بابا.
والجملة دي بالذات
كانت أصعب جملة قلتها في حياتي.
لأنها كانت أول مرة أصدقها فعلًا.
وأنا ماشية من المقاپر
رن تليفوني.
كانت أمي.
قالت
إحنا عاملين غدا النهارده.
هتيجي؟
ابتسمت.
وسكت شوية.
ثم قلت
هجي.
لأن الغفران ما معناهش إنك تنسى.
ولا معناه إنك ترجع كل حاجة زي الأول.
لكن أحيانًا معناه إنك تدي نفسك فرصة تبدأ من جديد.
لما وصلت
لقيت العيلة كلها.
ضحك.
وأكل.
وأحاديث عادية جدًا.
الحاجات البسيطة اللي اتحرمت منها سنين.
وفي وسط القعدة
أمي بصت لي.
وقالت قدام الكل
أنا فخورة بيكي.
الجملة دي لو كانت اتقالتلي وأنا عندي 28 سنة
كنت يمكن أعيط يوم كامل.
لكن دلوقتي
ابتسمت بس.
لأن قيمتي ما بقتش معتمدة على رأي حد.
لا مدح.
ولا ذم.
بقيت عارفة أنا مين.
وده كان أهم انتصار.
أما كريم
فآخر مرة شفته فيها كانت صدفة.
في مطار.
كان واقف بعيد.
وشافني.
وأنا شفته.
لكن ولا واحد فينا راح للتاني.
مجرد نظرة سريعة.
ثم كل واحد كمل طريقه.
وقتها بس فهمت إن الچرح اتقفل فعلًا.
لأن قلبي ما وجعنيش.
وما فرحتش.
وما زعلتش.
ما حسيتش بأي حاجة.
بقى شخص غريب.
شخص كان يومًا ما جزء من حياتي.
ثم انتهى.
وفي ليلة هادئة بعدها بفترة
كنت قاعدة في شرفة بيتي.
وبراجع رسالة وصلتني من بنت صغيرة.
كانت كاتبة
أنا اتعرضت
للظلم.
والناس كلها صدقت كلام مش حقيقي عني.
بس لما قريت قصتك، عرفت إن الحقيقة ممكن تتأخر لكنها في الآخر بتوصل.
قفلت الرسالة.
وبصيت للسماء.
وافتكرت الليلة اللي خسړت فيها كل حاجة.
كنت وقتها فاكرة إن حياتي انتهت.
وإن سمعتي راحت.
وإن مستقبلي اتدمر.
لكن الزمن أثبت لي حاجة مختلفة.
إن الإنسان مش بيتقاس بعدد المرات اللي وقع فيها.
الإنسان بيتقاس بعدد المرات اللي قام فيها بعد ما وقع.
وخمس سنين كاملة من الۏجع
ما قدرتش تكسرني.
بل بنت نسخة أقوى مني.
وفي النهاية
الناس افتكرت إن كريم لما شوّه سمعتي أخد مني كل حاجة.
لكن الحقيقة إنه أخد أشياء مؤقتة فقط.
أما أنا
فاحتفظت بأهم شيء.
نفسي.
وكرامتي.
وإيماني بالحقيقة.
ولما رجعت الحقيقة للنور أخيرًا
ما رجعتش علشان ټنتقم.
رجعت علشان تثبت إن الكذب ممكن يكسب جولة.
لكن عمره ما بيكسب المعركة كلها.
وهكذا
بعد خمس سنين من الظلم
وخمس سنين من الوحدة
وخمس سنين من الكفاح
ما كانش انتصاري الحقيقي إني كشفت كڈب كريم.
كان انتصاري الحقيقي
إني وصلت للي انا فيه
تمت