رواية كاملة
الدفء أحياناً بيبان رخيص.
والبرود أحياناً بيبان مېت.
سكون تام ساد الأوضة.. حتى المساعد اللي كان بيكتب الملاحظات وقف كتابه. مريم أدركت إنها بعد 5 دقايق بس من الاجتماع، اهانت الملياردير صاحب الشغل. عظمة.. مفيش أحسن من كده عشان تضيع مستقبلها.
عز الدين اتسند لورا وبصلها وضحي وجهة نظرك.
وهي وضحت.. اتكلمت عن الضوء، والملمس، والحركة، وإزاي المسافرين بيوصلوا القاهرة وهم شايلين وحدة مبيعرفوش يعترفوا بيها. اتكلمت عن إن مدخل الفندق لازم يكون بداية للراحة مش مجرد قاعة انتظار. وورته إزاي الخشب الغامق والنحاس والأنوار الهادية ممكن تدي الزبون إحساس إنه مرحب بيه قبل حتى ما يطلب حاجة.
الفخامة، قالت وهي بتشاور على الرسمة، مش إنك تحس إنك ولا حاجة، الفخامة إنك تحس إن فيه حد مهتم بيك من قبل ما تعرف إنك محتاج حاجة أصلاً.
عز الدين سكت فترة طويلة، وبعدين سألها هو ده اللي كنتِ محتاجاه امبارح بالليل؟.
سكتت مريم تماماً. جحظت عيناها، وارتجف قلمها في يدها. هل قال للتو ما سمعته؟ هل ربط بوضوح بين الحاجة للراحة وبين ذلك الموقف الفوضوي في المترو؟
جاسر، الحارس الشخصي الذي كان يقف في زاوية القاعة كتمثال من رخام، ضيق عينيه قليلاً، لكن ملامح عز الدين ظلت جامدة كقناع
من جليد. لم تكن هناك ابتسامة، ولم تكن هناك سخرية. كان سؤاله يحمل ثقلاً لا تستطيع مريم تقديره، وكأنه يغوص في أعماقها بعينين حادتين كالصقر.
لا أفهم قصدك يا فندم، قالت مريم بصوتٍ استعادت فيه نبرتها المهنية بجهدٍ جهيد، رغم أن قلبها كان يدق پعنف في قفصها الصدري.
عز الدين أغلق ملفها، ودفع الكرسي للخلف بهدوء ليدوي صوت احتكاك المعدن بالأرض في القاعة الصامتة. مفهومك عن الفخامة.. يثير الاهتمام. ابدئي في تنفيذ النموذج الأولي Prototype للدور الأرضي. أمامك أسبوع، وأريد أن أرى انعكاس فلسفتك هذه على الواقع.
نهض وغادر القاعة دون أن ينظر خلفه. تركها هناك، في حالة من الذهول والتوتر، بينما كان المساعدون من حولها يتنفسون الصعداء وكأنهم خرجوا من معركة ضارية، يتبادلون نظرات التساؤل كيف تجرأت هذه المهندسة على تحدي عز الدين، ولماذا لم يطردها فوراً؟
في الأيام التالية، تحولت حياة مريم إلى چحيم من الإبداع والضغط. عز الدين لم يكتفِ بإدارة الشركة، بل كان يراقب كل تفصيلة في مشروعها. كانت تصلها ملاحظات غامضة على رسوماتها؛ ملاحظات لم تكن تقنية فحسب، بل كانت فلسفية. الإضاءة في زاوية الركن تحتاج أن تكون أكثر حناناً، الخامات يجب أن تكون مريحة للمس، لا للنظر فقط.
كانت تشعر وكأنه يراقبها، ليس فقط كمصممة، بل كشخص يحاول قراءة ما وراء عينيها. وفي ليلة، بينما كانت تعمل في الموقع في الجونة حتى ساعة متأخرة، تحت أضواء الكشافات التي تخترق ظلمة الصحراء، وجدت عز الدين يقف في الظل، يراقبها وهي تضع اللمسات الأخيرة على نموذج الغرفة التجريبية.
لماذا تعملين بهذا الجنون؟ سأل من الظلام بصوتٍ خفيض.
التفتت مريم، وكانت ملامحها مرهقة، وشعرها مشعث قليلاً، لكن عينيها تلمعان بشغف لم تره من قبل. لأنني أعرف معنى أن يصل الإنسان إلى نقطة الانكسار، يا سيد عز الدين. أعرف كيف يكون شكل المكان الذي يجعلك تشعر أنك إنسان مرة أخرى، وليس مجرد رقم في سجلات شركة.
خطا خطوة نحو الضوء، فكشفت ملامحه الجدية التي بدت أكثر ليونة تحت أضواء النيون. في تلك الليلة في المترو.. كنتِ تبكين في صمت. هل كنتِ تظنين أن أحداً لا يرى؟
تجمدت مريم. أنت كنت تلاحظني منذ البداية؟
اقترب أكثر حتى أصبحت تفصل بينهما مسافة لا تتجاوز بضع خطوات. في عالمي، لا يلاحظ المرء أحداً إلا إذا كان يشكل تهديداً.. أو إذا كان يمثل شيئاً مفقوداً في روحه. أنتِ لم تكوني تهديداً، مريم. لكنكِ كنتِ تشبهين السلام الذي نسيته منذ سنوات. كنتِ تبدين حقيقية، وسط عالم لا يتوقف عن التمثيل.
شعرت مريم ببرودة جسدها تذوب. لم تكن هناك قوة مفرطة في نبرته، بل كان هناك اعتراف. لقد كنتُ متعبة فقط، قالت بصوتٍ مخڼوق.
رد وهو ينظر إلى اللوحات المعلقة أنا أيضاً. التعب لا يعرف الألقاب،
ولا يعرف حسابات البنوك.
مرت الأشهر، واكتمل الفندق. تحول المبنى الذي كان مجرد رسومات على ورق إلى تحفة فنية في الجونة، يجمع بين الفخامة المطلقة والروح الدافئة. أصبح الفندق هو الحديث الأول في أوساط السياحة، ليس فقط لجماله، بل للراحة النفسية غير المبررة التي يشعر بها كل من يطأ قدماه المدخل.
في ليلة الافتتاح، كانت مريم تقف في الشرفة تطل على البحر، حين شعرت بوجوده خلفها. عز الدين، الذي كان يخشاه الجميع، كان يقف بجانبها، ليس كرجل أعمال قاسې، بل كإنسان وجد مرفأه أخيراً. كان يرتدي بدلة داكنة، لكنها هذه المرة لم تكن درعاً، بل مجرد ملابس.
لقد نجحتِ، قال وهو ينظر إلى الناس الذين يملأون المكان بالضحكات والراحة. لقد صنعتِ مكاناً يشعر فيه الجميع أنهم مرحب بهم.. حتى أنا. لقد كان دخولك إلى حياتي، بطريقة غير مقصودة، هو أفضل قرار اتخذته في حياتي المهنية.. والشخصية.
التفتت مريم إليه، ووجدت في عينيه شيئاً لم تره في المترو.. وجدت الأمان. ماذا سيحدث الآن بعد أن انتهى المشروع؟ سألت بهدوء، وكأنها تخشى أن تكون هذه هي النهاية.
أمسك يدها، ولأول مرة منذ سنوات، كانت قبضته تعني شيئاً آخر غير القوة والسلطة. كانت تعني البقاء. الآن؟ الآن انتهى وقت العمل يا مريم. أخبريني.. هل ما زلتِ متعبة؟ لأنني أظن أنني مستعد لأكون الكتف الذي تستندين عليه دائماً، ليس في مترو مزدحم، بل في رحلة عمرٍ نختار وجهتها معاً.
في تلك اللحظة، وسط أضواء الجونة وأمواج البحر التي تعزف لحناً أبدياً، أدركت مريم أن تلك الغلطة التي حدثت في الساعة 1147 ليلة الثلاثاء الباردة، لم تكن مجرد صدفة.. كانت بداية الطريق لحياة لم تكن تحلم بها، حيث لا يضطر الأقوياء لخلع دروعهم، ولا يضطر الضعفاء للبكاء في صمت.
عز الدين لم يعد ذلك الرجل الغامض الذي يرهب الجميع؛ أصبح ببساطة الرجل الذي وجد في كتف مريم، وفي إصرارها، روحاً تليق بأن تشاركه الحياة. لم يعد المترو هو المكان الذي يربطهما، بل صار كل مكان يجمع بينهما هو الوطن. انتهت قصة المترو، لتبدأ قصة لا تُكتب في دفاتر الشركات، بل تُكتب في القلوب التي وجدت أخيراً من يستحق أن تُسند عليه الرؤوس المتعبة.