رواية كاملة
ندى حامل في شهرها الثامن، فالمحكمة هتقرر إنه لا يجوز إخراجها من المسكن الزوجي إلا بعد الولادة واستقرار حالتها، وسيتم توفير كل ما تحتاجه من نفقة مؤقتة لحين البت في القضية نهائيًا.
أحمد وجهه تغير لونه، وبدأ يتكلم باحتجاج، لكن القاضي رفع يده وقال
القرار صدر مؤقتًا، والجلسة القادمة هتكون بعد أسبوعين لاستكمال الإجراءات. الجلسة ترفع الآن.
خرج الناس من القاعة وهم بيتكلموا ويتعجبوا من اللي حصل، وفضلنا أنا وليلى واقفين في مكاننا. أحمد نظر لنا بنظرة حقد وڠضب، ومشى بسرعة من غير ما يقول كلمة تانية.
لما فضينا لوحدنا تقريبًا، ليلى مسكت إيدي بإيدينها الاتنين، وقالت بصوت مليان دموع
تعالي معايا يا بنتي. مش هسيبك تفضلي هنا ولا ترجعي معاه. عندي بيت آمن، ومكان نظيف، وكل حاجة تحتاجيها، وتقدري ترتاحي فيه لحد ما تولدي وتكوني بخير.
كنت لسه مش قادرة أتكلم، بس حسيت بدفء غريب في إيديها، وقلبي بدأ يهدأ شوية. بصتلها في عينيها، ولاحظت إن فيه تشابه بيني وبينها، في شكل العينين والحاجبين، وده خلاني أبدأ أشك إن ممكن يكون الكلام حقيقي مش مجرد وهم.
طلعنا من المحكمة، وكان في عربية فخمة واقفة في الانتظار، والحراسة فتحوا الباب لنا. ركبت جنبها، والعربية مشت في شوارع القاهرة، وأنا لسه بفكر في كل اللي حصل من أول ما دخلت القاعة لحد اللحظة دي.
ليلى حست بحيرتي، فقالت بهدوء
عايزة تعرفي الحقيقة من أولها، صح؟
هزيت رأسي، وقلت بصوت ضعيف
أيوة عايزة أعرف كل حاجة. إزاي ضعت؟ وإزاي كنتي تعرفي مكاني ومش جيتي قبل كده؟ وليه كل ده حصل؟
تنهدت ليلى بعمق، وبدأت تحكي
أنا كنت صغيرة لما اتجوزت أبوكي.
كان إنسان طيب في البداية، بس بعدين ظهرت فيه عيوب كتير، وكان بيحب المال أكتر من أي حاجة. لما ولدتك، كنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا، وكنت مستعدة أضحي بكل شيء عشانك. لكن في يوم من الأيام، كان عمري وقتها 22 سنة، وكنت رايحة أجيب طلبات معاكي وأنتِ عمرك سنة ونص، حصل حاډث غريب سرقوا العربة، وأنا أصبت إصابة بالغة وفقدت الوعي. ولما صحيت في المستشفى، ما لقيتكيش.
صوتها اتهز، ومسحت دمعة نزلت من عينيها، وكملت
بحثت عنك في كل مكان. نشرت الإعلانات، وسألت الناس، وتعاملت مع محققين، وكل ما كان عندي من فلوس صرفته في البحث. أبوكي كان معايا في البداية، لكنه بعد فترة مل، وقال إنك أكيد ضعت ومش هنلاقيكي، وبدأ يطلب مني أنسى الموضوع ونكمل حياتنا. لكن أنا ما قدرت أنسى. بعد فترة، اكتشفت إنه هو اللي ساعد في اختفاءك. كان عليه ديون كبيرة، واتفق مع ناس غريبة يبيعوك لقاء مبلغ كبير، وقال لي إنك ماټت في الحاډث.
حسيت پصدمة كبيرة، وقلت
يعني أبويا هو السبب؟
للأسف أيوة. لما عرفت الحقيقة، انفصلت عنه، وبدأت أشتغل بجد عشان أقدر أكمل البحث. بدأت بمشروع صغير، وكبرته شيئًا فشيئًا، لحد ما وصلت للي أنا فيه دلوقتي. وكل ما كنت أجمع معلومة أو دليل، كنت أتابعها. وآخر السنة دي، وصلت لمعلومات بتقول إن طفلة ضاعت في نفس التاريخ والمكان، واتربيت في دار أيتام معينة، واسمها كان مسجل باسم ندى. بدأت أتابع، وعرفت إنك اتجوزت، وبدأت أراقب من بعيد، وكنت عايزة أتأكد الأول قبل ما أتكلم. ولما عرفت إنك متعرضة لظلم، وإن جوزك بيحاول ياخد كل حاجة ويسبك، قررت إني مش هقف متفرجة أكتر من كده. جهزت كل الأدلة، وعملت تحليل الحمض النووي، وطلعت النتيجة مؤكدة، فجيت للمحكمة عشان أنقذك.
سمعت كلامها وقلبي كان بيتأثر، شعرت بمزيج من المشاعر الحزن على السنين اللي ضاعت، والڠضب من اللي حصل، والأمل اللي بدأ يظهر في قلبي. قلت لها
وطوال السنين دي، كنتي بتفكري فيا؟
قالت لي بسرعة، وهي تمسك إيدي بقوة
كل يوم وكل ساعة. ما كان يمر يوم إلا وأنا بفكر فيك، وبسأل نفسي إزاي حالك، وإيه اللي حصلك. لما عرفت إنك حامل، زاد قلقي أكتر، وقلت لنفسي لازم ألقىكي قبل ما يصيرلك أي مكروه.
وصلنا أخيرًا لفيلا كبيرة وهادئة في منطقة راقية في القاهرة، محاطة بحديقة واسعة. نزلت العربية، واتسعت عيني من جمال المكان، لكن اللي كان أهم من الجمال هو الشعور بالأمان اللي غمرني لما دخلت.
أدخلتني ليلى غرفة واسعة ومريحة، مليانة كل ما يحتاجه الحامل، وقالت
دي غرفتك. ارتاحي هنا، وكل شيء تحتاجيه قولي لي أو للخدم، وهيجيبوهولك فورًا. الدكتور هيجي يزورك بكرة عشان يطمن عليك وعلى الجنين.
جلست على السرير الناعم، وبطني بدأ يثقل شوية، وشعرت بتعب من كل ما حدث في اليوم. ليلى جلست جنبي، ولمست بطني برفق بحذر، وقالت بابتسامة دافئة
إنه ولد ولا بنت؟
ابتسمت أنا لأول مرة من فترة طويلة، وقلت
الدكتور قال إنه ولد.
قالت بفرحة حقيقية
ربنا يبارك فيه، ويجعله من الصالحين. وإن شاء الله هتربيه في بيئة آمنة، وما يشوفش اللي شوفتيه أنتِ.
مرت الأيام، وبدأت أتعود على العيش مع ليلى. كانت أمًا حنونة، تحاول تعوضني عن كل السنين اللي فاتت، وكنت أحس بالحب الصادق منها. كنا نجلس مع بعض كل يوم، وتحكي لي عن نفسها، وعن رحلتها الطويلة، وكنت أحكي لها
عن طفولتي في دار الأيتام، وعن أيامي مع أحمد، وعن الألم اللي عشته. كانت تستمع لي بكل انتباه، وتمسح دموعي، وتقول لي دائمًا
خلاص الماضي انتهى،