رواية كاملة

لمحة نيوز


همهمة وصدمة. عماتي حاولوا يقربوا مني وهما بيعتذروا بوشوش صفراء، بس أنا ما ردتش. لبست نضارتي، عدلت سترة البالة بتاعتي، وخرجت من القاعة وأنا حاسة لأول مرة إن الهوا اللي بشمه نظيف.. ومن غير ما أبص ورايا.
نزلت على سلم المحكمة والكل كان لسه ورايا في حالة ذهول. خالاتي جأوا يجروا ورايا، يا بنتي إحنا مكانش قصدنا، إحنا خفنا عليكي!.. مابصيتش ورايا، كملت طريقي لحد ما وصلت لباب المحكمة العمومي.
وقفت لحظة أخد نفس طويل. الهوا بره كان مختلف، ملوش ريحة الورق القديم ولا ريحة الكذب اللي كانت خنقاني جوه.
طلعت موبايلي وبعت رسالة واحدة للمحامي بتاعي تم. الحجز التحفظي على كل حساباته يبدأ فوراً.
قعدت على أول رصيف قابلني، مش تعب، لكن عشان أستوعب إن الكابوس انتهى. سترة البالة اللي كانوا بيضحكوا عليها، كانت هي الدرع اللي خبى تحته ذكائي وهدوئي. هما شافوا هدوم قديمة، وأنا كنت شايفة خطة محكمة.
بصيت على 5 مليون دولار اللي في الحساب.. الرقم ده مكانش بالنسبة لي رفاهية، كان تمن حريتي، تمن كل ليلة نمت فيها وأنا خايفة يصحوني يرموني في مصحة، تمن كل مرة اتقال لي فيها إنتي مجنونة لحد ما كنت هصدق.
وقفت وشاورت لتاكسي. السواق بص لي في المراية وقال على فين يا آنسة؟
ابتسمت لأول مرة من قلبى وقلت له على أي مكان ملوش عنوان.. المهم يكون بعيد عن هنا.
وأنا ماشية، شفت في الانعكاس على شباك العربية بنت تانية خالص؛ بنت قوية، عينيها لميعة، ومش محتاجة تثبت لأي حد إنها عاقلة، لأن العالم كله عرف دلوقتي إنها كانت أذكى واحدة في الغرفة.
قفلت المجلد الأزرق في حضني، وسندت راسي على الشباك، ونمت.. لأول مرة من سنين، نمت وأنا مش خايفة من بكره.
فتحت عيني على صوت السواق وهو بيقول وصلنا يا آنسة.
نزلت قدام عمارة قديمة في وسط البلد، بعيدة تماماً عن فيلا بابا والمنطقة اللي الكل عارفني فيها. شقة صغيرة كنت مأجراها باسم مستعار من شهور، مجهزتها لتكون مخبأ ليوم النصر.
دخلت الشقة، رميت المجلد الأزرق على الترابيزة، وقلعت الجاكيت اللي كان شاهد على التمثيلية دي كلها. بصيت لنفسي في المراية.. مكنتش شايفة البنت الضعيفة اللي كانت بتترعش من صوت مفاتيح أبويا وهي بتفتح الباب. كنت شايفة واحدة تانية خالص.
تليفوني مابطلش رن. أعمامي، خالاتي، حتى ولاد عمي اللي مكنوش بيكلموني، الكل بيحاول يلحق مكان في المركب اللي لسه غرقانة. إحنا معاكي يا حبيبتي، إحنا كنا شاكين فيه، إنتي بطلة.
عملت Block للكل.
قعدت في البلكونة وبصيت على زحمة الشارع. ال 5 مليون دولار بقوا في أمان، بس الأهم إن عقلي بقى في أمان. أبويا كان فاكر إن القوة في السيطرة على الفلوس، بس اكتشف في الآخر إن القوة الحقيقية في الشخص اللي مبيخافش يخسر كل حاجة عشان يكسب نفسه.
فتحت لابتوب وبدأت أكتب أول إيميل لجمعية خيرية بتدعم الستات اللي بيتعرضوا لابتزاز نفسي وعقلي. كتبت في الموضوع تبرع لبداية جديدة.
بكرة الصبح، الشمس هتطلع على عالم مفيش فيه حد يقدر يقولي أعمل إيه أو ألبس إيه أو أكون مين. السنتين اللي ضاعوا من عمري وأنا بمثل دور المجنونة عشان أحمي نفسي، كانوا هما الماجستير الحقيقي في فهم البشر.
ودلوقتي، اللعبة مش بس انتهت.. دي بدأت، بس المرة دي، أنا اللي بحط القوانين.
صبحيّة أول يوم في حياتي الجديدة كانت هادية بزيادة. مفيش صوت صريخ، مفيش والتر بيخبط على الباب بعنف عشان يديني أدوية بتهد الأعصاب ومحتاجهاش، ومفيش نظرات اتهام.
فتحت التليفزيون على نشرة الأخبار المحلية، وشفت صورته وهو متغطي بالجاكيت بتاعه والكلبشات في إيده، والمذيع بيتكلم عن سقوط رجل الأعمال الشهير في فخ تزوير أوراق رسمية للاستيلاء على ميراث ابنته. الخبر كان تريند، والكل بياكل في نهش سيرته زي ما كانوا بياكلوا في سيرتي زمان.
قمت عملت قهوة، وبدأت أراجع كشوفات الحسابات اللي جمدتها. الملايين لسه هناك، بس المرة دي هي سلاح مش هدف.
فجأة، جالي إشعار برسالة من رقم غريب، فتحتها لقيتها من محاميه القديم، اللي كان بيساعده ضدي
أبوكي طالب يشوفك في الحجز.. بيقول إنه عنده كلمة أخيرة عايز يقولها لك بخصوص والدتك.
قلبي دق بسرعة للحظة. أمي.. السر اللي كان ديماً بيستخدمه عشان يكسرني. كان ديماً يقولي إنها سابتني وهربت عشان مكنتش طايقة جناني.
لبست لبس بسيط، ونزلت. رحت مكان الحجز، وقعدت قدامه ورا السلك. كان شكله كبر 20 سنة في ليلة واحدة. شعره منكوش، وعينيه دبلانة.
بص لي بغل وهمس فاكرة إنك كسبتي؟ أمك مسبتكيش عشان جنانك.. أمك سابتك عشان كانت خايفة مني أنا. والورق اللي معاكي ده ولا حاجة جنب اللي هي سابتهولك وشلته في مكان عمرك ما هتوصليله.
ضحكت بمرارة وقربت من السلك وقلت له بصوت واطي المجلد الأزرق اللي القاضية شافته مكنش فيه بس كشوفات حساب يا بابا.. كان فيه مذكرات ماما اللي هي خبتها في بيتنا القديم قبل ما تمشي. أنا وصلت لكل حاجة من زمان. وال 5 مليون دول؟ دول بس الفكة اللي إنت كنت بتلعب بيهم. الميراث الحقيقي هو الحقيقة.. والحقيقة دلوقتي محبوسة معاك هنا.
وشه اتخطف، وفهم إن اللعبة كانت أكبر منه بكتير. قمت وقفت، عدلت هدومي، وقلت له دي آخر مرة هتشوفني
فيها. عيش اللي فاضل من عمرك وإنت عارف إن البنت المجنونة هي اللي قفلت عليك الباب.
خرجت من السجن وأنا حاسة بوزن جبل اتشال من على كتافي. ركبت عربيتي، وشغلت المزيكا لأول مرة بأعلى صوت، ومشيت في طريق ملوش نهاية واضحة، بس الأكيد إنه طريق أنا اللي رسماه بكل تفاصيله.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط