سائقة الحافلة
الفصل الأول
اسمي سارة وعمري أربعة وثلاثون عاما. أنا أم عزباء لطفلين وأقود حافلة المدينة. إنها ليست وظيفة براقة. لا يوجد مكتب فخم أو مقصورات مريحة.
لكنها تدفع الفواتير وتضع الطعام على المائدة وتبقي الأضواء مضاءة لأطفالي.
ليلي تبلغ من العمر ثلاث سنوات. ونوح يبلغ للتو أحد عشر شهرا. ووالدهما رحل قبل أن يولد نوح ولم أسمع عنه شيئا منذ ذلك الحين لا بطاقات تهنئة ولا نفقة ولا حتى رسالة صوتية في أعياد ميلادنا.
صمت فحسب.
تعيش والدتي معنا وتساعد قدر استطاعتها. هي التي تستيقظ باكرا عندما تكون لدي مناوبات متأخرة والتي تقبل جبينيهما حين لا أستطيع والتي تعرف متى تناولني فنجانا من القهوة دون أن تنطق بكلمة.
نتناوب على حالة الإرهاق.
في معظم الليالي أنهي مساري الأخير في وقت قريب من منتصف الليل. بحلول ذلك الوقت تكون الشوارع هادئة والأرصفة شبه فارغة وتشعر وكأن المدينة تحبس أنفاسها.
أقوم بجولة سريعة داخل الحافلة في طريق العودة إلى المنزل أتحقق من المقاعد ألتقط القفازات أو الأغلفة المفقودة وأتأكد من عدم اختباء أي شخص في الخلف أملا في مقاومة البرد.
عادة لا أجد شيئا ذا قيمة ربما إيصال قديم أو غلاف حلوى. أحيانا إذا كنت محظوظة علبة صودا غير مفتوحة أو قطعة شوكولاتة فأحصل على مكافأة بسيطة لترفع معنوياتي في طريق العودة.
لكن في تلك الليلة
وجدت شيئا آخر. شيئا غير كل شيء.
في تلك الليلة كان البرد قاسېا من النوع الذي يخترق معطفك ويصل إلى عظامك. كانت النوافذ قد تضببت من الداخل وفي كل مرة أزفر فيها كان الهواء يتحول إلى بياض أمامي.
كنت أحلم بالفعل بفراشي بالالتفاف بجانب طفلي واستنشاق تلك الرائحة الناعمة والدافئة التي تسكن دائما في ثنية عنق نوح.
كانت الساعة الرقمية فوق لوحة القيادة تشير إلى 1152 مساء عندما أوقفت الحافلة. كان الجراج مظلما وفارغا. سجل السائقون الآخرون خروجهم وتوجهوا إلى منازلهم. أطفأت الأضواء أمسكت بحقيبتي وبدأت جولتي المعتادة.
في منتصف الممر سمعت شيئا.
بكاء.
كان ضعيفا وبالكاد مسموعا. ليست صړخة ولا حتى عويل. كان مجرد صوت هش ومرتعش أوقفني في مكاني.
حبست أنفاسي واستمعت.
يا هلا ناديت صدى صوتي خاڤت على النوافذ.
لا شيء.
ثم جاء مجددا أنين أكثر نعومة الآن ولكنه لا يقل إلحاحا.
تحركت نحو الخلف وقلبي يدق بالفعل. مع كل خطوة كنت أتفحص المقاعد محاولة الرؤية من خلال الوهج الخاڤت لضوء مخرج الطوارئ.
حينها رأيتها.
حزمة صغيرة ملتفة على المقعد الأخير تماما ملفوفة ببطانية وردية تتلألأ بالصقيع.
اقتربت وسحبت البطانية بلطف إلى الخلف وشهقت.
يا إلهي شهقت.
كانت طفلة رضيعة.
كان جلدها شاحبا. . لم تعد تبكي حقا بل تطلق أنفاسا ضعيفة ومرتجفة وكأن قوتها قد نفدت.
يا حبيبتي أنا معاكي همست رغم أنني لا أتذكر اتخاذ قرار التحدث. خلاص
إنتي كويسة.
مافيش حد هنا قلت لنفسي أكثر من أي شيء آخر. مفيش شنطة مفيش كرسي عربية...مين سابك كده يا بنتي
لم تجب بالطبع. كانت تتنفس فقط على صدري بخفوت وببطء.
لم تكن هناك حقيبة ولا حفاضة ولا اسم. مجرد قطعة من الورق مطوية مرة واحدة مدسوسة في بطانيتها. ارتجفت يداي وأنا أفتحها.
أرجو أن تسامحيني. لا أستطيع الاعتناء بها. اسمها إيما.
هذا كل ما قيل. لا توقيع ولا تفسير مجرد تلك الكلمات المفجعة.
لم أتوقف للتفكير ركضت.
تم تعديلها بواسطة علي صفحة روايات و اقتباسات
الفصل الثاني الدفء في المنزل وبداية الأمل
بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى سيارتي كانت يداي متجمدتين لكنني تمكنت من فتح الباب تشغيل المحرك ورفع درجة حرارة التدفئة. حملتها تحت معطفي وأنا أقود أهمس لها طوال الوقت.
خليكي معايا يا طفلتي. أرجوكي خليكي معايا.
عندما اقټحمت الباب الأمامي كانت والدتي واقفة على قدميها على الفور.
سارة إيه اللي حصل إيه المشكلة يا سارة!
بطاطين يا ماما لهثت. بسرعة. هي متلجة!
لففناها بكل ما استطعنا أن نجده لحاف ليلي القديم المناشف السميكة من خزانة البياضات حتى معطفي الشتوي. تحركت أمي بسرعة يداها ترتجفان وجهها شاحب.
صوابعها زي التلج يا سارة قالت وهي تفركها بلطف بين راحتيها. برد شديد عليها...
جلسنا على الأرض بالقرب من المدفأة نحاول تدفئتها بأجسادنا نهمس بصلوات خاڤتة لم نقلها منذ سنوات. كان تنفسها سطحيا وبقيت عيناها مغلقتين.
يلا يا بنتي همست مرة أخرى. خليكي معانا. أرجوكي.
ثم نقر شيء ما في مؤخرة ذهني.
ما زلت أرضع طبيعيا قلت فجأة وصوتي مخڼوق. كان نوح في طور الفطام وتباطأ إنتاج حليبي لكن كان لا يزال هناك... شيء ما.
كانت لا تزال هناك فرصة لأن أوفر بعض القوت لهذه الطفلة.
جربي. جربي دلوقتي قالت أمي وهي تهز رأسها.
عدلت وضع الطفلة بين ذراعي ووجهت فمها الصغير إلى صدري وحبست أنفاسي. لثوان قليلة لم يحدث شيء. خفق قلبي وأنا أنظر إلى سكونها مذعورة من أن الأوان قد فات.
ثم حركة. إمساك. مص خفيف ومرتعش.
غادرت أنفاسي في شهقة مختلطة بالبكاء.
بتشرب! همست. بتشرب يا ماما!
انسكبت الدموع على خدي. قبلت جبينها مرارا وتكرارا بينما تحركت شفتاها بإيقاع بطيء.
إنتي في أمان دلوقتي همست عبر شفاه مرتعشة. إنتي في أمان يا حبيبتي.
تلك الليلة لم ينم منا أحد. أبقيتها محتضنة بجلدتي ملفوفة في طبقات نبض قلبها الصغير مضغوطا على نبضي. هززتها بالطريقة التي اعتدت أن أهز بها ليلي عندما كان المغص يسرق نومنا أدندن لها تهويدات لم أغنها منذ أشهر.
عندما جاء الصباح أخيرا أصبحت وجنتاها ورديتين مرة أخرى. تشنجت أصابعها وانبسطت أقوى الآن مثل قبضات صغيرة تتعلم التشبث.
بأيدي مرتعشة التقطت الهاتف واتصلت برقم
الطوارئ 911.
ظلت الموظفة هادئة بينما شرحت ل شيء كيف وجدت الطفلة المذكرة البرد.
كان يجب أن أحضرها الليلة الماضية قلت. أعلم ذلك. لكنها كانت بالكاد صامدة. أردت أن أدفئها.
لقد فعلت الصواب قالت المرأة بلطف. المساعدة في الطريق.
عندما وصل المسعفون ركع أحدهم بجواري. فحص علاماتها الحيوية ثم نظر ورفع رأسه وأومأ.
حالها مستقر قال. ربما تكونين قد أنقذت حياتها.
قبل أن يغادروا ناولته زجاجة حليب كنت قد شفطته وحفنة من الحفاضات وقبعة نوح الناعمة التي لم تعد تناسبه.
أرجوك قلت وأنا أمسح دمعة من خدي. قول لهم إنها بتحب تتقرب .
سنفعل قال المسعف بلطف. لقد فعلت أكثر من اللازم.
عندما كانوا مستعدين للمغادرة انحنيت وقبلت جبينها.
خليكي دافية المرة دي ماشي
شكرني الضابط الذي أخذ إفادتي مرة أخرى ثم خرج بهدوء إلى البرد. وهكذا أصبح المنزل ساكنا.