رواية كاملة
بعد ما مرات اخويا كانت كل شوية ترمي عيالها التلاتة عند أمي، وهي بتقول بكل بجاحة: "ما هي قاعدة في البيت ومش وراها حاجة!"... قررت أديها درس عمرها ما هتنساه.
الصدفة إن أمي كانت ساكنة في نفس المنطقة اللي ساكنة فيها سلفتي، نجلاء.
في يوم بعد ما خلصت شغلي، قلت أعدي على أمي أشوفها.
أول ما فتحت الباب... اتصدمت.
العيال التلاتة بتوع نجلاء ماليين الشقة صريخ وجري، وأمي واقفة في المطبخ تايهة، مش عارفة تلحق تعمل الأكل ولا تروق البيت ولا تسيطر على الأطفال.
بصيتلها باستغراب وقلت:
ـ إيه يا ماما؟ عيال نجلاء بيعملوا إيه هنا؟
تنهدت وقالت وهي باين عليها التعب:
ـ يا بنتي، نجلاء كل شوية تيجي الصبح تقوللي: "ساعة واحدة بس يا طنط"، وبعدها تختفي لحد آخر النهار.
أنا اتعصبت جدًا.
أمي عندها 68 سنة، وضهرها وركبها تعبانين... إزاي تشيل مسؤولية تلاتة أطفال طول اليوم؟
استنيت لحد ما نجلاء جت بالليل تاخدهم، ووقفتها عند الباب.
قلت لها:
ـ هو إيه اللي بيحصل ده؟
ردت بمنتهى البرود:
ـ يعني ساعات بسيبهم عندها شوية... فيها إيه؟ إحنا أهل.
حاولت أمسك أعصابي وقلت:
ـ شوية؟! إنتِ بتسيبيهم من الصبح للمغرب. ده غير إنك عمرك حتى فكرتي تدي أمي أي مقابل وهي شايلة عيالك.
ضحكت في وشي ضحكة مستفزة وقالت:
ـ أدفع لها فلوس ليه؟ دي معاشها بيجيلها، وقاعدة في البيت أصلًا ومش بتعمل حاجة. بالعكس... أنا مديالها حاجة تتسلى بيها!
ساعتها عرفت إن الكلام معاها ملوش أي لازمة.
نجلاء طول عمرها شايفة نفسها، وكل شوية تدخل في حياتي مع جوزي، وتقعد تنظّر عليا إزاي أبقى ست بيت شاطرة.
كنت بعدي علشان خاطر لمّة العيلة...
لكن المرة دي؟ خلاص.
وفي اللحظة دي، لمعت في دماغي فكرة هتخليها تندم على كل كلمة قالتها.
ابتسمتلها وقلت بمنتهى الهدوء:
ـ عارفة؟ عندك حق. خلاص، تعالي بكرة عندنا على العشا. هنعمل لمة عائلية وكل الناس هيبقوا موجودين.
ابتسمت وهي فاكرة إنها كسبت الجولة، ومشيت.
أما تاني يوم...
فأول ما دخلت بيتي...
طلعت منها صرخة هزّت العمارة كلها..
أول ما دخلت نجلاء بيتي في الليلة التانية، كانت باينة عليها الثقة والغرور، وداخلة تشيل مناخيرها في السما كأنها ضيف شرف في حفل تكريم.
لكن الصرخة اللي طلعت منها ما كانتش مجرد استنكار، دي كانت صدمة هزّت جدران الشقة كلها!
لما دخلت نجلاء الصالون، لقت العيلة كلها متجمعة: جوزي، حماتي، وأعمام جوزي وزوجاتهم. لكن مش ده اللي صدمها...
اللي صدمها إنها لقت أجدد وأغلى "أجهزة أليكسا (Alexa)" الذكية محطوطة في نص الصالون، ومتوصلة بسماعات ضخمة مالية المكان، وشاشة عرض كبيرة ظاهرة على الحائط.
وقبل ما تسأل، كان صوت الجهاز الذكي العالي والواضح بيملأ الشقة، وهو بيذيع بصوت "نجلاء" الحقيقي، وبأعلى جودة تسجيل:
"إيه يعني لما أرمي العيال عند الولية العجوزة دي؟ ما هي قاعدة في البيت ومش وراها حاجة! وليها معاش كمان... دي لقيتها تسالي تلهيها عن الوحدة، أحسن ما تقعد حاطة إيدها على خدها!"
الشقة سكنت تمامًا، وتحول الجو في ثانية واحدة لثلج قطبي.
الكل بص لنجلاء بصه كلها صدمة واحتقار. صوت التسجيل كان واضح، ومنقول بدقة، ومشترك فيه أكتر من موقف قالت فيه نفس الكلام المهين عن أمي وعن استغلالها.
الفخ اللي اتنصب بدقة
نجلاء اتلونت ألوان الطيف، وشفايفها بقت ترجف، وبحركة هستيرية حاولت تبرر وهي بتصرخ: ـ ده... ده كذب! ده صوت متركب بالذكاء الاصطناعي! بيكيدوا فيا!
ساعتها أنا طلعت بهدوء من المطبخ، وفي إيدي تابلت، وقفت قدامها وابتسمت ببرود أشد من برودها، وقلت بصوت هادئ وصل لكل الموجودين:
ـ مش ذكاء اصطناعي يا نجلاء... دي كاميرات المراقبة الصوتية اللي أنا ركبتها إمبارح في شقة أمي، ومتوصلة بموبايل جوزي وموبايل العيلة كلها. وحبيت أعرضهالك في "اللمّة العائلية" اللي طلبتيها، علشان الكل يشوف "التسالي" اللي إنتِ مديالها أمي!
حماتي (ماما) وقفت، وعيونها مدمعة من القهر، وبصت لنجلاء وقالت بصوت كله حزم وغضب: ـ بقى أنا "تسالي" يا نجلاء؟ بقى اللي ربت جوزك وجوزك وأهل البيت كلهم، تقولي عليها كده علشان بتهربي من مسؤولية عيالك؟
الضربة القاضية
عّم جوزي الكبير وقف، وخبط بعصايته على الأرض وقال بصوت مهيب: ـ العيش والملح اللي بينا انتهى يا نجلاء. ومن اللحظة دي، مفيش طفل من عيالك يخطب رجله شقة العيلة دي، ولا شقة طنط، ولا حتى هتشوفي وشنا تاني لحد ما تتعلمي يعني ايه احترام لكبيرة العيلة.
جوزي بص لها نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وفتح لها باب الشقة وقال بصرامة: ـ اتفضلي يا نجلاء... ولمّي عيالك من عند أمي من بكرة، وشوفي بقى هترميهم فين تاني لما تتعودي تعتمدي على نفسك.
نجلاء خرجت من الشقة وهي بتبكي من قهرتها وفضيحتها، والكل كان بيبص لها بدون شفقة؛ لأنها دبرت لنفسها أكبر درس عمرها ما هتنساه طول عمرها، وراحت "اللمّة" اللي كانت فاكراها كسبتها، وهي خاسرة كل حاجة: احترامها، ومكادتها، وراحة بالها.