رواية كاملة
قصة: "العودة من الموت.. انتقام الأم والابن"
البداية: المكالمة الصادمة
لما مرات ابني كلمتني وقالت لي: "ابنك مات النهاردة، وم لكيش حق في مليم واحد من ورثه".. أنا بس ابتسمت في سرّي وسكت. هي ماكانتش تعرف إن في اللحظة دي بالظبط، ابني كان قاعد جنبي، حي ، وبيتنفس، وبيخطط إزاي يفضح اللعبة القذرة اللي كانت هتموته.
الساعة كانت بالظبط ١٢ بالليل لما تليفوني رن. كنت قاعدة لوحدي في الصالة، والبيت كان هادي زيادة عن اللزوم، كأن الحيطان كمان مستنية خبر. بصيت على الشاشة لقيت الاسم "بيري" (مرات ابني). قلبي وقع في رجلي. "سيف" ابني متعود يكلمني كل يوم حد، حتى لو مشغول، حتى لو وراه ميت اجتماع، لازم يكلمني يطمنني عليه.. بس بقاله ٣ أيام ما بيردش. ٣ أيام تليفونه مقفول أو بيدي جرس ومحدش بيرد.
فتحت الخط وإيدي بتترعش: "أيوة يا بيري، سيف فين؟ ليه مش بيرد عليا؟".
جالي صوتها من الناحية التانية بارد، خالي من أي مشاعر، كأنها بتقرأ قايمة طلبات من السوبر ماركت: "يا حماتي.. سيف مات امبارح الصبح".
الدنيا وقفت بيا. حسيت إن الأرض اتشقت وبلعتني. "إيه؟ مات إزاي؟ بيري إنتي بتهزري؟ دي هسارة بايخة!".
ردت بنفس الصوت الميكانيكي: "مش هِزار.. عمل حادثة بالعربية، خبط في شجرة على طريق السخنة، والعربية ولعت بيه والجثة ملامحها ضاعت. هو دلوقتي في المشرحة، والدفنة بكرة الساعة ١٠ الصبح".
صوتي راح، حاولت أتكلم بس مفيش غير شهقة مكتومة: "وليه ما بلغتنيش من وقتها؟ ليه دلوقتي؟".
قالت ببرود: "كنت مشغولة بخلص الإجراءات.. ورق المشرحة، وتصريح الدفن، وورق التأمين، والمحامي. ماعندكيش فكرة الموضوع متعب قد إيه".
كلمة "مشغولة" دي كانت زي السكينة في قلبي. ابني مات وهي مشغولة تخلص ورق التأمين! قولت لها: "بيري، أنا لازم أشوف ابني، هو فين دلوقتي؟
ردت الصدمة الأخيرة: "الجثة اتحرقت بناءً على رغبته، وخلصنا كل حاجة".
دمي اتجمد. "اتحرق؟ إزاي تعملي كده من غير ما تقوليلي؟ ده ابني!".
قالت لي: "أنا مراته وليا الحق القانوني، ودي كانت وصيته. وفي حاجة تانية لازم تعرفيها.. سيف ساب وصية مسجلة من ٦ شهور، كاتب فيها كل حاجة باسمي (الفيلا، العربية، رصيد البنك، بوليسة التأمين). إنتي مالكيش حق في مليم واحد.. دي كانت رغبته".
وقفت مشلولة، مش عشان الفلوس، سيف كان شايلني طول عمره، بس عشان الغل اللي في صوتها. سألتها عن "ياسين" حفيدي (٧ سنين)، قالت لي إنه نايم ومش هصحيه، وقفلت السكة في وشي وهي بتقولي: "لو عايزة تيجي الجنازة بكرة تعالي، بس من غير دراما وشويتين العياط بتوعك قدام أهلي".
قعدت أعيط بحرقة على سيف، ابني اللي ربيته لوحدي بعد ما أبوه سابنا وهو عنده ٣ سنين. وفجأة، الساعة ١٢ وربع بالليل، سمعت خبط على باب المطبخ (الباب اللي ورا اللي محدش بيستخدمه).
"تيك.. تيك.. تيك".
قومت وبكل خوف سألت: "مين؟".
جالي صوت ضعيف، مبحوح، كأنه طالع من تحت الأرض: "ماما.. افتحي يا ماما.. أنا سيف".
فتحت الأقفال وإيدي بتترعش، وأول ما فتحت الباب، سيف وقع في حضني. كان غرقان في دمه، هدومه مقطعة، وشه متورم، وماسك بطنه بوجع. سحبته لجوه وقفلت الأبواب.
"سيف! إيه اللي حصل؟ بيري قالت إنك مت!".
بص لي بوجع وقال: "هي اللي حاولت تموتني يا ماما.. هي و اخوها(أدهم). عملوا تمثيلية الحادثة عشان ياخدوا فلوس التأمين".
الحكاية من لسان سيف
سيف حكى لي وهو بيتألم إن بيري بتتخانق معاه كتير بقالهم سنة علاقتهم مش كويسة و لما راقب تليفونها لقاها بتخطط مع اخوها "أدهم" يخلصوا منه.
هو اكتشف رسايلهم، ولما واجهها، استدرجته لرحلة على طريق السخنة، وهناك طلع عليهم أدهم وضربوه بآلة حادة على دماغه وبطنه لحد ما فقد النطق، ورموه جوه العربية وولعوا فيها. سيف فاق قبل ما النار تمس جسمه كله، وقدر يزحف ويستخبى في الشجر لحد ما الدنيا ليلت، وجالي مشي وهو بينزف عشان محدش يشوفه.
قولت له بصوت قوي: "لو هي فاكرة إنك مِت، هنخليها تعيش الوهم ده.. هنخليها تصرف وتخطط وتطمن، وبعدين نهد المعبد فوق دماغها".
تاني يوم، بيري كلمتني الصبح بتمثل دور الأرملة الحزينة. روحت الجنازة وأنا لابسة أسود ومخبية عيوني ورا نظارة شمس كبيرة. شوفت "التابوت" المقفول اللي بيري قالت إنه فيه جثة سيف المحروقة (وهو طبعاً كان فاضي أو فيه زلط).
شوفت بيري وهي بتمثل العياط في حضن الناس، وشوفت "أدهم" واقف بعيد لابس بدلة سودة وبيتبادل نظرات غامضة معاها.
بعد ما المراسم خلصت، شوفتهم وهما بيتقابلوا ورا شجرة في المدافن، بيري ادت له مغلف تخين فيه (فلوس) .
صورت كل ده في خيالي وحلفت لندمهم.
سيف كان مستخبي عندي، وجبت له دكتورة معرفة (دكتورة منى) عالجت كسوره وجروحه في السر من غير ما تبلغ.
روحت لبيري البيت بحجة إني عايزة آخد "ذكرى" من لبس ابني. بيري سابتني في الصالة ودخلت المطبخ تعمل قهوة، وسابت تليفونها مفتوح. في ثواني، بعتّ كل الرسايل اللي بينها وبين أدهم (رسايل التخطيط للقتل) لرقمي، ومسحت السجل.
الرسايل كانت مرعبة.. كانوا بيخططوا إزاي يخلصوا من سيف، وحتى كانوا بيفكروا يودوا "ياسين" ابنه مدرسة داخليه .
المحامي بتاعنا (الأستاذ رفعت) والشرطة نصبوا فخ. يوم ما بيري راحت تقابل أدهم في فندق عشان يدوا لبعض "فلوس التأمين" اللي قبضتها (١٠ مليون جنيه)، كانت الأوضة متراقبة بالكاميرات والميكروفونات.
سيف كان قاعد في غرفة المراقبة مع الضباط، وشايف بيري وهي بتدى اخوها الفلوس وبتقوله: "أخيراً خلصنا من سيف الغبي، والفلوس بقت ملكنا".
في اللحظة دي، الشرطة اقتحمت الأوضة. بيري صرخت: "أنا أرملة، أنا ماعملتش حاجة!".
سيف دخل الأوضة، قلع النظارة والكاب وبص في عينيها: "الميت رجع يا بيري.. عشان يبعتك السجن".
بيري كان هيغمى عليها من الرعب، كأنها شافت عفريت. أدهم حاول يهرب بس اتمسك، وبدأوا يلبسوا التهم لبعض قدام الضباط.
بيري وأدهم اتحكم عليهم بالسجن المؤبد. سيف استرد ابنه "ياسين" في حضنه، ورجعنا نعيش مع بعض. سيف اتجوز بعد فترة من مدرسة ياسين (أبلة هالة)، ست طيبة عوضته عن كل اللي شافوه.
وأنا دلوقتي قاعدة بحكي القصة دي عشان أقول لكل الناس: "الظلم ليله قصير، والحق لازم يرجع لأصحابه، حتى لو من قلب النار".