دخلت المستشفى
دخلت المستشفى بطولها عشان تولد ومفيش معاها بني آدم، وبعد ما البيبي شرف بالسلامة بدقايق، الدكتور بَص في وشه وفجأة انهار من العياط ودموعه نزلت شلالات! الدكتور الوقور اللي ماسك أعصابه دايماً، أول ما شاف ملامح الواد، السر القديم اللي دافنه من سنين رجع يطاردة في أوضة العمليات، والمفاجأة اللي كشفها البيبي الصغير ده هتشقلب حياة تلات أشخاص للأبد!
جميلة وصلت مستشفى الشفاء في ليلة شتا ساقعة ومكنش في مخلوق واقف جنبها؛ لا جوز ولا أهل ولا سند، مجرد شنطة هدوم صغيرة في إيدها، وجاكت قديم لابساه، وتسع شهور من السكوت والوجع اتعلمت تشيلهم لوحدها فوق كتافها. عند مكتب الاستقبال، الممرضة تبسمت لها بطيبة وقالت لها جوزك جاي في السكة يا مدام؟ جميلة تبسمت ابتسامة باهتة مكسورة وقالت آه.. المفروض على وصول. بس الكلام ده مكنش حقيقي؛ مدحت سابها من سبع شهور فاتوا، بالظبط في الليلة اللي قالت له فيها إنها حامل. مكنش في زعيق ولا خناق، مجرد شنطة لم فيها هدومه، وعذر بارد قاله، وباب اتقفل وراه براحة وهدوء.. الهدوء ده وجعها وكسر قلبها أكتر من أي عصبية وزعيق في الدنيا. قعدت تعيط أسابيع ورا أسابيع، وبعدين بطلت؛ مش لأن الوجع راحت عليه الأيام، لأ.. لأن مبقاش في مكان جواها يشيل حزن أكتر من كدة. أجرت أوضة صغيرة على قدها، واشتغلت ورديتين ورا بعض في مطعم، وحوشت كل قرش تقدر عليه للولد، وكل ليلة كانت بتحط إيدها على بطنها وتوشوش للجنين اللي لسه مشفتوش وتقول له أنا هنا جنبك.. ومش هسيبك أبدًا. وجع الولادة جه بدري عن معاده، وفضلت تعافر وتتألم لمدة اتناشر ساعة كاملة من التعب والوجع اللي يهد الحيل، كانت بتقبض بإيدها على حرف السرير والممرضات بيساعدوها تعدي كل طلقة وجع. كانت بتهمس وتدعي من قلبها في كل ثانية يا رب.. يا رب سلمه ماليش غيره. على الساعة تلاتة العصر، صوت صرخة وعياط ملى الأوضة؛ البيبي وصل بالسلامة. جميلة رمت راسها لورا على المخدة، والدموع نازلة على خدها زي المطر، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة ولا وجع قلب، دي كانت دموع الراحة.. دموع الفرحة.. دموع الحب الصافي. سألت الممرضة بصوت ضعيف وبتنهج هو كويس؟ طمنيني عليه يا بنتي. الممرضة تبسمت وهي بتلف المولود في الفوطة بالراحة وقالت زي الفل وكامل الأوصاف، بسم الله ما شاء الله. لسه الممرضة رايحة تحطه في حضن جميلة، في اللحظة دي بالظبط دخل دكتور رأفت وجدي.. دكتور معروف في المستشفى كلها ب إيده الغزل الصافية، وأعصابه الحديد، وهدوءه اللي مبيتهزش في أصعب العمليات. بص في الملف اللي في إيده.. وبعدين رفع عينه وبص للبيبي، وفجأة اتسمر في مكانه! الدم هرب من وشه كله وبقى زي الورقة البيضاء، وإيده بدأت ترتعش بشكل مرعب، ومن غير ما ينطق بحرف واحد، عينيه اتملت دموع وانفجر في العياط! أول ما عينه جت على الواد الصغير، في حاجة من ماضيه الأسود رجعت تجري في دمه وتصرخ في عقله، والدقايق اللي جاية دي كانت كفيلة تغير مصير تلات عائلات للأبد...
الحكاية مكنتش مجرد شبه عادي؛ البيبي ده اتولد وفي رقبته وحمة نادرة وسر وراثي ميعرفوش في الدنيا دي كلها غير دكتور رأفت ومدحت اللي هرب، والورقة اللي الدكتور طلعها من محفظته القديمة هتفجر قنبلة وتكشف إن جميلة اتجوزت الشخص الغلط اللي كان قاصد يدمرها، بس حقها هيجي لحد عندها ومن قلب أوضة الولادة!
لو عاوزين تعرفوا دكتور رأفت عيط ليه وإيه علاقة البيبي بماضيه والسر اللي هيقلب حياة جميلة ومدحت،
الدموع كانت نازلة من عيني دكتور رأفت بشكل صدم كل اللي في أوضة الولادة.
الممرضات بصوا لبعض باستغراب.
طول عمرهم شايفين الدكتور الهادئ المتزن اللي ما يهزش جبل.
لكن النهاردة كان واقف قدام طفل مولود من دقائق وعينيه مليانة دموع.
جميلة نفسها رفعت رأسها بتعب وقالت
يا دكتور... في حاجة؟ ابني فيه حاجة؟
رأفت فاق كأنه صحي من كابوس.
مسح دموعه بسرعة.
لا... لا يا بنتي... ابنك بخير.
لكن صوته كان مهزوزًا.
نظر مرة أخرى إلى رقبة الطفل.
الوحمة الصغيرة كانت موجودة.
نفس الشكل.
نفس المكان.
نفس العلامة النادرة التي لم يرها إلا مرتين في حياته.
المرة الأولى...
كانت قبل سبعة وعشرين عامًا.
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
ظل جالسًا في مكتبه بالمستشفى.
أخرج محفظة جلدية قديمة مهترئة.
ومن جيب سري داخلها سحب صورة صفراء باهتة.
صورة لطفل رضيع.
وعلى رقبته...
نفس الوحمة تمامًا.
ارتجفت يده.
لأن الطفل الموجود في الصورة لم يكن مجرد أي طفل.
كان ابنه.
ابنه الذي اختفى منذ سبعة وعشرين سنة.
قبل سنوات طويلة،
كان رأفت شابًا حديث التخرج.
تزوج من فتاة أحبها بجنون.
لكن عائلتها الثرية رفضته.
وحاولت بكل الطرق التفريق بينهما.
وعندما أنجبت زوجته طفلها الأول، اختفى الطفل فجأة.
قيل له يومها إن الرضيع مات أثناء نقله إلى مستشفى آخر.
لكن رأفت لم ير جثمانًا.
ولم يصدق الرواية أبدًا.
بعدها بشهور ماتت زوجته من الحزن.
وعاش هو عمره كله يبحث عن الحقيقة.
دون جدوى.
في صباح اليوم التالي، طلب رأفت ملف جميلة.
قرأ اسم الزوج.
فتجمد الدم في عروقه.
مدحت فؤاد السيوفي.
الاسم نفسه.
العائلة نفسها.
العائلة التي كانت وراء اختفاء ابنه قبل سبعة وعشرين عامًا.
شعر أن الدنيا تدور حوله.
هل يمكن أن تكون صدفة؟
أم أن القدر يعيده إلى نفس الدائرة؟
بدأ يبحث بهدوء.
استعان بصديق قديم يعمل في السجلات المدنية.
ثم بمحامٍ موثوق.
ثم بأوراق قديمة دفنها الزمن.
وخلال أسبوع فقط ظهرت الحقيقة كاملة.
الحقيقة كانت أبشع مما تخيل.
قبل سبعة وعشرين عامًا، والد مدحت كان وراء اختطاف طفل رأفت.
الرجل الثري استغل نفوذه وقتها.
زوّر أوراقًا.
ونقل الطفل إلى أسرة أخرى مقابل صفقة مالية قذرة.
ذلك الطفل كبر...
وأصبح مدحت نفسه.
نعم.
مدحت لم يكن ابن العائلة التي ربته.
مدحت كان ابن رأفت الحقيقي.
حين عرف رأفت الحقيقة جلس ساعات يبكي وحده.
ليس فرحًا.
ولا حزنًا فقط.
بل لأن العمر كله ضاع بين يديه.
ابنه كان يعيش على بعد كيلومترات منه طوال هذه السنوات دون أن يعرفه.