حماتي وقفت في حفلة ترقيه جوزي
حماتي وقفت في حفل ترقية جوزي وقالت قدام الضباط كلهم: “دي عايشة على حساب ابني”… لكن بعد دقائق، القائد الجديد دخل القاعة، وقف قدامي، وأدّى لي التحية العسكرية قبل ما يبص لجوزي أصلًا.
القاعة كانت مليانة ضباط وعائلاتهم.
الكل لابس رسمي.
والاحتفال كان معمول مخصوص عشان ترقية جوزي.
أنا كنت قاعدة بهدوء جنبه.
فستان بسيط.
وابتسامة هادية.
زي كل مرة.
لكن حماتي ما كانتش ناوية تسيب الليلة تعدي من غير ما تجرحني.
رفعت كوباية العصير بتاعتها وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في القاعة:
“الحمد لله إن الليلة دي أخيرًا بقت عن ابني… مش عن مراته اللي قاعدة في البيت وبتصرف من فلوسه.”
الصمت نزل على المكان كله.
الناس بصتلي.
وبعضهم ابتسم بإحراج.
أما جوزي…
فما دافعش عني.
بالعكس.
اكتفى بابتسامة صغيرة.
الابتسامة اللي كان بيستخدمها كل مرة يحب يبين للناس إنه مظلوم وصابر.
قرب مني وقال بصوت واطي:
“ما تعمليش مشكلة.”
بصيتله.
وسكت.
لأن الحقيقة…
إني كنت مستنية اللحظة دي من سنين.
حماتي كانت فاكرة إني مجرد ست قاعدة في البيت.
وجوزي كان سايبها تصدق ده.
وكان سايب كل الناس تصدقه.
ولا حد فيهم كان يعرف ليه سبت شغلي.
ولا إيه اللي خسرته.
ولا إيه اللي ضحيت بيه عشان هو يكمل طريقه.
فضلت قاعدة بهدوء.
لحد ما باب القاعة اتفتح.
ودخل القائد الجديد.
الكل وقف احترامًا.
وجوزي فرد ضهره بفخر.
مستني لحظة التهنئة.
لكن الغريب…
إن القائد ما راحش ناحيته.
عدّى عليه.
وكمّل المشي لحد ما وقف قدامي أنا.
القاعة كلها سكتت.
وجوزي اتجمد مكانه.
أما حماتي فبصت باستغراب.
وفجأة…
رفع القائد إيده.
وأدّى لي التحية العسكرية بكل احترام.
وبصوت سمعه كل الموجودين قال:
“يشرفني أشوفك تاني يا أستاذة غادة.”
في اللحظة دي…
اختفت الابتسامة من وش جوزي.
لأن السر اللي أخفاه عن عيلته سنين كاملة…
كان على وشك يطلع قدام القاعة
القاعة بقت هادية لدرجة إنك لو وقعت إبرة على الأرض هتسمع صوتها. الكل مبرق، وأحمد جوزي واقف وشه قلب أبيض على أصفر، وحماتي "صفاء هانم" بقها اتفتح من الصدمة، لدرجة إن كوباية العصير كادت تقع من إيدها.
القائد كمل كلامه، وصوته الرخيم كان بيملا المكان: "يا أستاذة غادة، لولا التقارير اللي كنتِ بتبعتيها لينا مباشرة من قلب الميدان، ولولا خطط التوزيع اللي رسمتيها في عملية 'الحدود' الأخيرة، الترقية دي ما كانتش هتحصل، ولا كان ابنك – قاصد أحمد – كان وصل للمكان ده."
أحمد بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع متهدج: "سيادة القائد.. حضرتك أكيد تقصد حد تاني.. غادة مراتي، هي.. هي ست بيت، مش ضابط!"
القائد بص لأحمد بابتسامة صفرا، ورد ببرود: "لا يا بطل، أنا عارف كويس أنا بكلم مين. المدام غادة كانت واحدة من أكفأ ضباط المخابرات التقنية، وطلبت إعفاء مؤقت عشان ظروف عائلية، بس عمرها ما سابت شغلها، كانت بتشتغل من ورا الستارة، وبتحط الخطط اللي أنت بتنفذها يا أحمد، وأنت فاكر إنك أنت اللي عبقري زمانك!"
حماتي مكنتش قادرة تنطق، عينها كانت رايحة جاية بيني وبين القائد. أنا قمت وقفت، فردت ضهري، وبصيت لأحمد اللي كان حاسس إن الأرض بتتشق وتبلعه.
غادة: "يا سيادة القائد، شكراً على شهادتك، بس الحقيقة أنا كان كل همي الوطن، مش مين اللي ياخد الترقية. بس اللي زعلني النهاردة، إن الأهل بيقيموا الإنسان بـ 'أنت بتشتغل إيه' أو 'أنت بتصرف كام'، مش بـ 'أنت بتعمل إيه عشان بلدك وعشان بيتك'."
أحمد قرب مني ووشه مكسور: "غادة.. إنتِ كنتِ بتشتغلي في المخابرات؟ طول السنين دي؟ طب ليه؟ ليه ما قلتيش؟ ليه سبتيني أسمع كلام أمي وهي بتهينك؟"
بصيتله ببرود، نظرة خلت كل اللي حوالينا يسمعوا اللي جاي: "قلتلك يا أحمد من أول يوم، أنا مش عايزة أعيش في جو الشغل جوه البيت، عايزة أحس إني مرتك، مش زميلتك. كنت فاكرة إنك هتحس بقيمتي من غير ما أوريك تقارير، بس أنت وأمك كنتوا محتاجين 'عرض عسكري' عشان تحترموني. كنتِ فاكرة إني 'عايشة على حسابك' يا صفاء هانم؟ دي الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، والفيلا اللي إنتِ جاية فيها النهاردة، والترقية اللي ابنك بيحتفل بيها، كلهم داخلين تحت 'ميزانيتي' أنا، لأنكِ كنتِ بتشوفيني ست بيت، وأنا كنت بدير أمن قومي!"
صفاء هانم قامت وقفت، كانت بتترعش، وبصوت واطي: "أنا.. أنا ماكنتش أعرف."
غادة: "لا، كنتِ تعرفي إن فيه حاجة غلط، بس كنتِ بتختاري الغلط عشان تحسي إنك مسيطرة. أنا النهاردة مش بس طالعة أحتفل بترقية جوزي، أنا طالعة أعلن استقالتي من دور 'الزوجة المطيعة' اللي إنتِ راسمـاه."
التفتُّ للقائد تاني: "سيادة القائد، أنا بطلب العودة للخدمة الفعلية فوراً، بس المره دي، مش من ورا الستارة. أنا اللي هاخد الترقية اللي تليق بمجهودي، وأحمد.. أحمد حر يختار يكمل في البيت اللي بيحترم مراته، أو يفضل في البيت اللي أمه بتديره."
أحمد وقف مذهول، الناس بدأت تصفق، والضباط بقوا بيبصوا لي بإعجاب، وكلهم بدأوا يهمسوا لأحمد: "دي مراتك تطلع غادة اللي كلنا بنسمع عنها في التقارير؟ يا بختك!".. الجملة دي كانت سهم في قلبه، لأنها خلت "كبريائه" اللي كان مستنيه يتدمر.
سبتهم وخرجت من القاعة، مشيت ببدلتي البسيطة اللي كانت فخمة أكتر من أي فستان سهرة، لأنها كانت بدلة "احترامي لنفسي". أحمد جري ورايا في ممر القاعة، مسك إيدي وقال: "غادة، ارجعي، خلينا نتكلم في البيت، بلاش الفضيحة دي قدام الناس!"
بصيتله وقلت له: "الفضيحة مش إني أعلنت حقي يا أحمد، الفضيحة إنك سمحت لست تانية تبيعني وتشتري في كرامتي سنين. أنا راجعة البيت عشان ألم حاجتي، أما أنت، ففكر كويس، عايز تعيش مع 'غادة'، ولا عايز تفضل 'ابن صفاء هانم'؟"
رجعت البيت، لميت كل ورقي، وكل تقاريري اللي كانت مخبية وراها سر تفوقه، وسبته هو وأمه في دوامة الحقيقة اللي مكنوش مستعدين لها. ومن اللحظة دي، الكل عرف إن "الست اللي قاعدة في البيت"، هي اللي كانت بتكتب تاريخ "الراجل اللي بره".
**الدرس اللي اتعلمناه: إن الست اللي بتضحي بصمت مش "ضعيفة"، هي "قوية" لدرجة إنها بتسيبك تصدق إنك البطل، لحد ما يجي الوقت اللي توري فيه العالم إنها هي اللي كانت بتكتب السيناريو من البداية.**