رواية كاملة
هارون
كنت واقف في أوضة ديمة، ركبتي على الأرض، وإيدي مرتعشة وأنا بحاول ألمس كتفها بدون ما أوجعها. الدموع كانت بتتراكم في عينيها، بس هي ماسكة نفسها. رفعت عينيها ليا وقالت بصوت هامس، كأنها خايفة حتى الجدران تسمع
ماما يا بابا.
الاسم ده ضربني زي رصاصة في الصدر. مريم؟ مراتي اللي كنت بحبها من عشر سنين، اللي كانت بتغني لديمة وهي لسه رضيعة، اللي كنت فاكر إنها أحسن أم في الدنيا؟ مستحيل.
ديمة أنتِ متأكدة؟ ممكن تكوني غلطانة
هزت راسها بقوة، ودمعة نزلت على خدها.
مش غلطانة. من فبراير، لما أنتِ كنت مسافر في الشغل. أول مرة كانت عشان كسرت كوباية في المطبخ. قالت لي إني لازم أتعلم أبقى بنت كويسة. بعد كده كل ما تتعصب، أو لما أخطئ في الواجب، أو حتى لو أنا بس ببكي بتجيب حزامها أو إيدها. بتقولي إن ده سر بيننا، ولو قلت لك هتسيبنا وهتموت.
قلبي كان بيتقطع. كل ذكرى من الشهور اللي فاتت بدأت ترجع مريم اللي كانت بتقول ديمة تعبانة اليومين دول، مريم اللي كانت بتمنعني أدخل أوضتها كتير، مريم اللي كانت بتبتسم قدامي وتكون وحش في الظلام.
وعدت ديمة إني مش هقول حاجة دلوقتي، وإني هحميها. لبستها هدوم ناعمة، ونزلت معاها كأن مفيش حاجة. في الطريق للحفلة، كنت ماسك إيدها في العربية، ومريم قاعدة جنبي بتكلم عن الجو والموسيقى. كل كلمة منها كانت بتزود الغضب جوايا، بس كنت بأداريها.
الحفلة كانت نجحت، ديمة عزفت قطعة بيانو بإيدين مرتعشة، والناس صفقت. بس أنا كنت بعيد. دماغي كان بيشتغل على سرعة صاروخ.
رجعنا البيت بالليل. خليت ديمة تنام في أوضتي، وقفلت الباب. مريم دخلت المطبخ عشان تعمل شاي، وأنا وقفت وراها.
مريم، لازم نتكلم.
التفتت بابتسامة، بس لما شافت وشي، الابتسامة اختفت.
في إيه يا حبيبي؟
ديمة. الكدمات. علامات إيديكي على ضهرها.
الدنيا سكتت. وشها اتغير. أول ما اتكلم، كانت في حالة إنكار، بعدين دفاع، وبعدين بكاء.
أنا أنا مش عارفة إيه اللي حصلي. أنا بحبها يا هارون! بس أحيانًا الضغط، الشغل، خوفي عليها أنا كنت بخاف إنها تبقى زي أختي اللي ماتت صغيرة بسبب إهمال. كنت عايزة أحميها، أخليها قوية.
كلامها كان مليان تناقضات. حاولت تقنعني إنها تربية صارمة، بس لما هددتها بالشرطة والكاميرات اللي هحطها في البيت، انهارت.
بس ده مش كان نهاية القصة. ده كان البداية الحقيقية للرعب.
في اليوم اللي بعده، وأنا بنقل حاجات ديمة لأوضتي، لقيت في درج مكتبها رسالة قديمة مكتوبة بخط مريم
لو قرأت الرسالة دي، يبقى أنا فشلت. هم عارفين. هم بيتابعوني من سنين. لو قلت لحد، هياخدوها. ديمة مش بنتنا بس هي اللي اخترتوها.
قلبي وقف. مين هم؟
بدأت أبحث. فتحت لاب توب مريم سرًا. فيه إيميلات مشفرة، صور لديمة من بعيد في المدرسة، تهديدات لو ما نفذتيش الأوامر، البنت هتكون أول ضحية.
اتضح إن مريم كانت متورطة في شبكة إجرامية من سنين، قبل ما نتجوز. كانت بتسرق بيانات من الشركة اللي بتشتغل فيها، وهم عصابة دولية . لما ولدت ديمة، هددوها إن لو ما استمرتش، هياخدوا الطفلة.
الكدمات كانت طريقتها الوحشة في إبعاد ديمة عن العالم الخارجي، عشان تحميها بطريقة مريضة. كانت خايفة طول الوقت، وكل ما ديمة تكبر وتبقى أجمل، الخوف زاد.
أنا ما صدقتش. اتصلت بصديق قديم في الشرطة، سرًا. التحقيق بدأ. مريم حاولت تهرب في الليل، بس مسكوها.
اللي حصل بعد كده كان أسوأ.
العصابة عرفت. في ليلة ممطرة، جاءوا للبيت. ثلاثة رجالة ملثمين. كسروا الباب. أنا كنت صاحي، ماسك مسدس اللي اشتريته بعد الاكتشاف.
هارون! خد ديمة واهرب! مريم صرخت من أوضتها، وهي بتحاول تحول دون الرجالة.
الرعب الحقيقي بدأ. طلقات. صراخ. ديمة ماسكة فيا وبتبكي. واحد منهم دخل أوضتي، بس أنا ضربتو في رجله. مريم اتعرضت لضرب قدامي، وهي بتقاوم عشان تحمينا.
في اللحظة دي، فهمت إن مريم كانت ضحية زي ديمة. كانت محاصرة من سنين، والكدمات كانت جزء من الجنون اللي وصلت له عشان الخوف.
صديقي في الشرطة وصل مع فرقة. العصابة اتقبض عليها. مريم اتاعتقلت هي كمان، بس كشفت كل التفاصيل مقابل حماية لينا.
الشهور اللي بعدها كانت جحيم.
ديمة دخلت علاج نفسي. كانت بتصحى بالليل تصرخ ماما لا!. أنا كنت بقعد جنبها ساعات، أحكي لها قصص قديمة، أغني لها زي زمان. رحنا رحلات بعيد عن المدينة، حاولنا نبني ثقة من جديد.
مريم في السجن، كتبت رسائل كتير. أولها كانت اعتذار. أنا كنت خايفة أكتر ما كنت أم. سامحيني يا ديمة.
ديمة في أول زيارة، وقفت قدام الزجاج، ومسكت التليفون.
ماما أنتِ كنتي خايفة زيي؟
مريم بكت. أيوة يا حبيبتي. بس دلوقتي أنا حرة لأنك قلت ل بابا.
الزيارات زادت. العلاج بدأ يأثر. ديمة بدأت ترسم صور عائلة، وفيها مريم كمان، بس مع نجوم حواليها زي حارسة من بعيد.
بعد سنة ونص، مريم خرجت بتخفيف عقوبة بسبب تعاونها. كانت متغيرة تمامًا. راحت لعلاج مكثف، وبدأت تعمل في منظمة مساعدة ضحايا الابتزاز.
يوم عيد ميلاد ديمة العاشر، كنا قاعدين في حديقة صغيرة اشتريتها بعيد عن المدينة. ديمة كانت بتلعب بيانو صغير حملناه. مريم جات، مترددة.
ديمة وقفت، مشت ليها ببطء، وعانقتها لأول مرة من سنين.
بابا قال إن الخوف بيخلي الناس تعمل حاجات وحشة، بس الحب بيصلحها.
مريم بكت على كتفها. أنا وقفت بعيد، قلبي مليان.
الليلة دي، قعدنا التلاتة قدام النار. ديمة نامت بيننا. مريم مسكت إيدي وقالت
أنا كنت الوحش اللي خفت منه طول الوقت بس أنت خليت السر المرعب ده يتحول لفرصة نعيش.
السنين مرت. ديمة كبرت، بقت عازفة بيانو مشهورة، وبتروي قصتها في مقابلات عشان تساعد أطفال تانيين. مريم أصبحت مستشارة في حماية الأسر. وأنا أنا تعلمت إن الشجاعة مش في الغضب، لكن في الاستماع، حتى لو الرسالة جات من طفلة خايفة.
اليوم، لما أشوف علامات على أي طفل، أفتكر ضهر ديمة، وأعرف إن كلمة لوحدك بس ممكن تنقذ حياة.
النهاية مش سعيدة تمامًا، لأن الندوب بتفضل. بس هي ماثرة عائلة اتحطمت، وبنت قوية قامت من الرماد، وأب رفض يغمض عينيه.